أيّ مسار لمكوّنات المجتمع المدني في تونس بعد سنة ونصف من الثورة؟

Assabah - 2012-07-05
Lu 573 fois

طغى على المشهد اليومي التونسي منذ اندلاع الثورة «البعد السياسي» سواء تعلق الأمر بأداء الحكومة أو بأداء المجلس الوطني التأسيسي أو بأخبار الأحزاب أو الشخصيات الوطنية أو غيرهم، فاختلط السياسي بالمدني، وغابت صورة مكونات المجتمع المدني عن الأذهان بالرغم من الحراك الذي تعيشه منذ 14 جانفي. فحصيلة المنظمات والجمعيات في تزايد مستمر من حيث العدد والنوع والاختصاص، عدد منهم برز بروزا ملحوظا والبعض الآخر يبدو أنه اندثر أو كانت الطريق معطلة أمامها لغياب الخبرة باعتبار حداثة عهدها بالنشاط المدني. إلا أن ذلك لا ينفي أنه كان لعدد من مكونات المجتمع المدني دور فعال في تغيير الأحداث والضغط على الحكومة من جهة وعلى المجلس الوطني التأسيسي من جهة أخرى، كما لا يمكن نفي أهمية مختلف المنظمات والجمعيات التي سهرت على إنجاح كافة مراحل العملية الإنتخابية إما بالمشاركة في عملية المراقبة أو التدريب والتكوين والتأطير والتوعية والانتشار. حتى أن بعض المراقيبن والخبراء ربطوا تحرك الجمعيات والمنظمات حسب الظروف والأحداث وحسب ما تقتضيه المرحلة فلم تجد بعد طريقها للمشاركة في إنجاح المرحلة الإنتقالية، مما يطرح تساؤلا جوهريا هل أن المجتمع المدني في مساره الصحيح وهل يقتصر دوره على التواجد فقط عند الأحداث الوطنية الكبرى؟ وأي خارطة طريق يجب وضعها حتى تتناسق الجهود نحو إنجاح هدف واحد؟ قد تحتاج مختلف مكونات المجتمع المدني خاصة من كان لها دور في المرحلة الإنتقالية الفارطة أي فترة الإنتخابات، أن تقيّم تجربتها الحديثة في مجال النشاط الجمعياتي حتى يتسنى لها أن تدرس وتضع إستراتيجية عمل واضحة الأهداف وأكثر دقة في ظل ما تشهده البلاد من تجاذبات وجدال متواصل يُرجح كفتها تدخل المجتمع المدني. التشبيك و التنسيق ويؤكد خبراء في العمل الجمعياتي على أهمية تأطير المنظمات والجمعيات المتضلعة في المشهد المدني لـ»زميلاتها» حديثة العهد بالساحة، فمجال العمل الجمعياتي شاسع وواسع ويتطلب «التشبيك» والتنسيق وتكثيف الجهود والانفتاح أكثر على الجهات الداخلية من خلال العمل الميداني، ويمكن في هذا الإطار الإستئناس بتجربة المعهد العربي لحقوق الإنسان الذي افتتح يوم الجمعة الفارط فرعه الثاني بمدينة بنزرت بعد أن أطلق الفرع الأول بولاية مدنين في شهر مارس المنقضي. بداية هذا الإمتداد داخل الجهات مُراده تحقيق خاصية القرب من الجمعيات والمنظمات المحلية بهدف التشبيك بينها وتكوين شبكات جمعياتية تخدم بصفة موحدة عدة برامج ذات طابع حقوقي لنشر ثقافة حقوق الإنسان لدى النخبة كما لدى الفئات الإجتماعية الأخرى خاصة منها المهمشة حتى تعي ما لها وما عليها. لا تقتصر هذه الحقوق على ما تعودنا عليه من مصطلحات تدور حول حرية التعبير ومناهضة التعذيب وغيرها من التعابير الإنسانية وإنما تطورت هذه المفاهيم إلى كلمات ومعان أخرى تفنّد المعنى الشامل لحقوق الإنسان المنفتح على الحقوق الإقتصادية والإجتماعية والبيئية وأيضا الثقافية والتعليمية. التنظّم والتمنهج حقوق كثيرة ومتنوعة ومتعددة، تحقيقها يبقى رهين مدى قدرة الفاعلين في المجتمع المدني من مكونات مختلفة التوجهات والمناهج والغايات والإختصاصات من التنظّم والتمنهج وتحديد الأولويات ربحا للطاقات وللوقت وللمال لتحقيق أهداف واضحة المعالم والرؤية وذات فاعلية على المدى القصير والبعيد حتى تكون ندّا للند مع العمل الحكومي إما بالمراقبة وبالتالي الضغط والإصلاح والتغيير أو مساندة لها لتثبيت برامج لفائدة البلاد والعباد. ربما بعد أكثر من سنة ونصف من اندلاع ثورة 14 جانفي يصعب تقييم عمل المجتمع المدني في ظل التفقير الذي عاشته مكوناته وغياب الخبرة وعدم الوعي بالدور المنوط لها خاصة «الجمعيات الشابة منها» والمحدثة بعد الثورة. لكن تبقى هناك تجارب رائدة وأخرى متواضعة يمكن الإستئناس بها والتنسيق معها وفيما بينها، حتى يقع إنقاذ ما يمكن إنقاذه من جمعيات ومنظمات وجدت نفسها تغوص في مصاعب جمة بدءا بالتمويل مرورا بالعجز أو عدم القدرة على تسطير برامج ورؤى واضحة الفصول حتى تستطيع الاستمرار. وقد تكون دورات التدريب لفائدة المنظمات والجمعيات وكذلك الإعلاميين التي نظمها المعهد العربي لحقوق الإنسان أو مراكز أخرى من البوادر الطيبة لتحضير أرضية لعمل مختلف مكونات المجتمع المدني خلال الأشهر القادمة وطوال المرحلة الإنتقالية من أجل إرساء نظام ديمقراطي في فترة حرجة من تاريخ البلاد. تدريب وتكوين فتنوعت محاور دورات التدريب، إلا أن منطلقها الرئيسي ترسيخ مبادئ حقوق الإنسان وجعلها ثقافة يومية لدى جميع المواطنين وبكل جهات البلاد، فكان التدرج في طرح هذه المحاور للتكوين والتدريب انطلقت من تعليم المبادئ الأساسية لهذه الحقوق والإتفاقيات الدولية المناصرة لها، مرورا بإعداد البرامج ورؤى العمل والسعي إلى التخطيط وكيفية إعداد الميزانية والحصول على التمويل وصولا إلى كيفية التشبيك بين مختلف الجمعيات والمنظمات ذات نفس التوجهات بالإضافة إلى التدرب على التكتيكات الجديدة لمناصرة حقوق الإنسان وترسيخها داخل مجتمعات تشهد مخاضا ثوريا. يبقى السؤال المطروح مدى استفادة الجمعيات والمنظمات المشاركة والمنتفعة من هذه التدريبات وغيرها لتطبيق مختلف الدروس والتعلّمات على أرض الواقع؟ في هذا السياق يمكن الحديث عن تجربة أخرى ذات شأن واكبت كامل مراحل العملية الإنتخابية وهي تجربة «مراقبون» الائتلاف المواطني لمراقبة الإنتخابات جمع خمس جمعيات وهي الجمعية التونسية للتوعية الديمقراطية، الجمعية التونسية لقانون التنمية، جمعية الثقافة والمواطنة، جمعية الثقافة والتنمية، le pacte tunisien. تولت هذه الشبكة على امتداد دورتي تكوين 4000 ملاحظ، تم اعتمادهم من قبل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، لمتابعة انتخابات 23 أكتوبر 2011 في 27 دائرة انتخابية بالداخل وبالخارج. هذه التجربة في حد ذاتها جديرة بالتقييم للوقوف عند السلبيات والنقائص وتطوير النقاط الإيجابية استعدادا للمرحلة الانتخابية القادمة التي يبدو، حسب الخبراء والمحللين للشأن السياسي،أنّها لن تكون بالهيّنة والسهلة يجدر البدء في الاستعداد لها في الحين بعد أن عاش المشهد السياسي، ولا يزال، عدة تطورات وتغيرات. وفي علاقة مكونات المجتمع المدني بالمجلس الوطني التأسيسي يبدو أن العلاقة لم تتجاوز أسوار المجلس لتقف عند حدود التظاهرات والمسيرات والإحتجاجات التي نُظّمت أمامه، فهل تحتاج هذه العلاقة إلى مزيد من التطوير والتنسيق حتى تكون جميع الأطراف في علاقة تشاركية وتفاعلية للنقد البناء والفعال والتأسيس لمجتمع مدني يخضع لقوانين تنظمه وتفعّل مبادراته وبالتالي يصبح قوة ضغط تنشد التغيير. إ. عبد اللطيف



Juillet 2012
LMMJVSD
01
02 03 04 05 06 07 08
09 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 31
<< >>