الإعلام وغابة المصالح
Assabah - 2012-07-07Lu 386 fois
إن «الإعلام» تحت مختلف الدكتاتوريات له خاصيات معينة يعرف بها، فهو أولا إسم بلا مسمى، إذ ينطبق عليه في واقع الأمر اسم «اللاإعلام» فدوره هو إخفاء الحقائق التي لا تتماشى أو تكذب مقولات السلطة الحاكمة أو تتعارض مع سياساتها وإبراز الحقائق أو حتى الاكاذيب التي تخدم السلطة وتدعم قبضتها على دواليب الدولة والمجتمع. وهو أيضا أداة لتزيين هذه السلطة وتلميع صورتها داخليا وخارجيا. ولئن كان الاعلام التونسي خلال العهد البائد يدخل تحت «النمطية» المذكورة فإنه أضاف إلى كل الهنات السابقة هنة أو أكثر «تميزه» عن جميع أصناف الصحافات «الكليانية» في العالم. إذ تردى على مر السنوات خلال عهد الرئيس الجاهل وبتشجيع منه إلى درجة رهيبة من السخافة والاسفاف والرداءة منقطعة النظير، لغة وخطابا ومواضيع. وأصبحت «الهواية» السمة البارزة المميزة للقطاع الصحفي بعد ان عمد النظام البائد إلى «التمزي» برخص بعث وسائل الاعلام أساسا إلى أناس دخلاء على المهنة لم تربطهم بالصحافة قبل إقحامهم فيها إقحاما أي رابطة ولا يملكون الحد الأدنى من أخلاقيات المهنة بل همهم الوحيد هو تكديس الأموال وانعكس ذلك على الوضع المادي لعموم الصحفيين، فبلغت «الهشاشة» المادية والمعنوية لقسم كبير منهم مبلغا لا مثيل له ولا يمكن العثور على صنو له في أية بقعة من العالم. وعملية «الزرع الاصطناعية» للدخلاء من صحفيين وخصوصا من أصحاب وسائل اعلام مكتوبة ومسموعة ومرئية في «الجسد الصحفي» كان من نتائجها أن تكونت على مر السنوات مصالح ضخمة جدا ومافيات إعلامية حقيقية لا تريد لهذا القطاع أي إصلاح وتجندت منذ بعث الهيئة الوطنية المستقلة لإصلاح الاعلام لمحاربتها وقد تضاعفت الهجمة وازدادت شراستها إثر صدور المرسومين 115 و116 وكان المرسوم 116 هو الأشد عرضة لسهام الحملة إذ أنه يمس مصالح مستقرة و»مزارع عائلية» ومن المؤسف له أن الحكومة الحالية سارت مع الركب وسقطت في فخ مجموعة من المصالح الانانية والمضادة للثورة واستحقاقاتها والتي هي في عمومها صنيعة للعهد البائد. وقد يكون ذلك لحسابات انتخابية او عن جهل مستشاريها ـ وهذا غير مستبعد ـ بحجم الرهانات المطروحة وخلفيات القوى المتصارعة ومواقعها الحقيقية وتموقعها لا محالة خارج السياق الثوري وعدم أهليتها المطلقة للدفاع عن المهنة وذلك عوض وضع اليد في اليد مع هيئة اصلاح الإعلام والتعاون معها من أجل إصلاح جذري وحقيقي للقطاع يضمن حق المواطن في إعلام مهني تعددي ومستقل ويكون متطابقا مع المعايير الدولية في هذا المجال. إن المعركة الحقيقية اليوم في هذا المجال هي بين من يريدون الإصلاح حقا وبين من يسعون إلى إفشاله لذا فالحكومة مدعوة لأن تراجع موقفها وألا تخطئ في تقييم طبيعة المعركة ورهاناتها وأن تعرف أن موقع اصطفافها الطبيعي وهي التي إئتمنها الناخبون على الثورة لا يمكن أن يكون قطعا إلا إلى جانب صف الإصلاح الجذري والشامل واستبعاد كل من كانت له علاقة من قريب أو بعيد بالمأساة التي عاشها القطاع على امتداد ثلاثة وعشرين عاما. "الصباح"