الشعب لن يتحمّلكم إلى ما لا نهاية !
Assabah - 2012-07-13Lu 378 fois
قد لا يختلف اثنان في أن تقرير قناة «الجزيرة» حول اغتيال عرفات لم يحمل في طياته مفاجأة ولم يقدم للرأي العام جديدا يذكر، فنهاية الزعيم الراحل ياسر عرفات لم تكن نهاية طبيعية وقد لا يكون من المبالغة في شيء الاقرار بأن العالم كله تابع في صمت مريب عملية تصفية الرئيس الفلسطيني الراحل التي كانت تتم على المباشر انطلاقا من مقر اقامته في المقاطعة المحاصرة، وقد سجل العالم قبل ثماني سنوات لحظة بلحظة موت عرفات البطيء وهو في سجنه المظلم الا من ضوء شمعة كان يستنير بها في أيامه الاخيرة. منعت عن عرفات كل أسباب الحياة الطبيعية من ماء وغذاء ودواء وهواء وظل طوال أسابيع طويلة رهينة بين أسوار المقاطعة حيث كانت كل الاسباب والظروف مهيأة لتصفيته بطريقة ما لا تكون فيها اسرائيل في واجهة الاحداث، وحتى قبل نقله على متن مروحية للعلاج إلى أحد المستشفيات الفرنسية بعد أن عجز الأطباء المتوافدون عليه من مختلف العواصم العربية على تحديد المرض الذي ألمّ به لم يكن عرفات في وضع عادي ولم يكن في مأمن من المخاطر ولا في منأى من الاستهداف في طعامه أو شرابه أو حتى في الدواء الذي كان يجلب له. وقد زاد حرص الفرنسيين على التكتم عن أسباب الوفاة ومنع تسريب أيّة معلومات عن الملف الطبي لعرفات في إضفاء مزيد الغموض وتعزيز الشكوك بشأن الموت المستراب لأبو عمار ليظل اللغز قائما حتى اليوم. كلمة حق يراد بها باطل، تلك هي خلاصة أغلب الدعوات حتى لا نقول جلها التي تسابقت في الايام القليلة الماضية للمطالبة بفتح تحقيق دولي عاجل حول اغتيال الزعيم الراحل ياسر عرفات وملاحقة المجرمين الذين اشتركوا في الجريمة، والأرجح أن تلك الدعوات التي تكررت بعد التقرير الذي بثته قناة «الجزيرة» لن يمرّ عليها وقت طويل قبل أن تفتر وتتراجع لتختفي نهائيا تماما كما اختفت من قبل أغلب النداءات بملاحقة مجرمي الحرب الاسرائيليين والمتورطين في مختلف المجازر والجرائم الموثقة ضدّ أبناء الشعب الفلسطيني على مدى عقود طويلة.. ولا شك أن في العودة لتسليط الاضواء اليوم على نهاية عرفات ليس سوى محاولة للركوب على الاحداث أو التخلص من عقدة الذنب بل أن في بعضها محاولات يمكن ان تتنزل في اطار المزايدات الخداعة ومواصلة الهروب إلى الأمام تكريسا لسياسة النعامة. فمنذ اللحظات الاولى لرحيل عرفات لم تكن اسرائيل بعيدة عن الاتهامات، بل ان كل المؤشرات كانت تحمل الاحتلال المسؤولية حتى وان غابت الأدلة والقرائن، والحديث عن اكتشاف مادة البولونيوم المشعة في ملابسه لا يقدم جديدا ولكنه يؤكد تلك الفرضية. واذا كان لتقرير «الجزيرة» من فضل فإنه يتمثل في كشف حجم النفاق السياسي في عالمنا ومدى استعداد من يعتقدون أنهم أصحاب القرار على مواصلة سياسة الانظمة الفاشلة في المتاجرة بالقضية الفلسطينية واللجوء الى أكبر مظلمة في تاريخ البشرية للتلاعب بعواطف الجماهير واخراج لافتات دعم الشعب الفلسطيني في كل المناسبات الرسمية وغير الرسمية لكسب تأييد الشعوب، بل الواقع ان تلك الانظمة كانت تتخفى بالقضية الفلسطينية لإخفاء فشلها وعجزها واستبدادها ولم تكن تقدم للقضية شيئا باستثناء الشعارات وبيانات التأييد الزائفة في المواقف الحرجة.. فكانت القضية مظلتها للتهرب من الاستحقاقات الديمقراطية والإصلاحات المطلوبة، وكان استمرار وبقاء القضية على حالها متنفسا لتلك الأنظمة في أحيان كثيرة.. اليوم، وفيما يدخل موسم الربيع العربي عامه الثاني، يبدو أن القضية الفلسطينية قد استفادت قليلا أو كثيرا من المشهد الجديد، وان كانت فلسطين باقية على كل الألسن فإنها غائبة عن القلوب والعقول، ولا يبدو حتى هذه المرحلة أن السلطة الفلسطينية ممثلة في حركة «فتح» التي تسيطر على الضفة الغربية، ولا حركة «حماس» التي تسيطر على قطاع غزة، قد أدركتا بعدُ الحقيقة أو استفادتا من الدروس الحاصلة. وبعد خمس سنوات من الانقسامات والصراعات بين ابناء الشعب الواحد وأهل القضية الواحدة تبقى المصالحة الفلسطينية أقرب الى الخيال منها الى الحقيقة، كما أن في تمسك كل من «فتح» و»حماس» على حدّ سواء بتلك السلطة الوهمية المخادعة في ظل الاحتلال الاسرائيلي لا يمكن أن تعكس بأيّة حال من الاحوال ارادة حقيقية لطي صفحة الاختلافات او رغبة في الاستجابة لصوت الشعب الفلسطيني واحترام تطلعاته إلى الحرية والكرامة والسيادة، أو حرصا على اعادة القضية الى الموقع الذي تستحق في مختلف المنابر الاقليمية والدولية.. المطالبة بالتحقيق في موت الزعيم الفلسطيني ليست خطأ بل العكس سيكون صحيحا، والسعي لكشف الحقيقة في ما يتعلق بتلك الجريمة مسؤولية تاريخية وانسانية وأخلاقية وسياسية ولا أحد يمكنه أن يصادر حق الشعب الفلسطيني في المطالبة بكشف الحقيقة، ولكن لا أحد أيضا يملك أن يتلاعب بمشاعر وطموحات وتطلعات هذا الشعب الذي رسم أروع الملاحم البشرية في النضال والمقاومة ضدّ الظلم والاحتلال الى ما لا نهاية. ولذلك فقد لا يتأخر كثيرا اليوم الذي سينتفض فيه الشعب الفلسطيني حيثما يكون ضدّ كل القيادات المتآمرة عليه ويسحب البساط من تحت أقدام الجميع ليستعيد وحدته الجغرافية والبشرية والسياسية ويقطع مع كل المزايدات والمساومات التي كلفته الكثير ولم تقدم له شيئا يذكر باستثناء مزيد المهانة والتشتت والضياع.. كل ذلك فيما يستمر الاحتلال ويتواصل الاستيطان ويتباعد الحلم... آسيا العتروس [email protected]