الثورة والمحافظ المعفى
Assabah - 2012-07-31Lu 423 fois
افضى الاقتصاد الريعي الذي اسّسه الهادي نويرة ومنصور معلى تحت شعار تحرر الاقتصاد الى ازمة خانقة في اوائل الثمانينات. للخروج من الأزمة اشترطت المؤسسات المالية الدولية على تونس سنة 1986 القيام بما سمى ببرنامج الاصلاح الهيكلي مقابل تقديم القروض. ويتمثل برنامج الاصلاح الهيكلي في انتهاج سياسة تقشفية للتقليص من الانفاق العام. من الاصلاح الهيكلي الى المنهج النيّوليبرالي تمّ تفعيل هذه الاملاءات بتجميد الاجور والحد من التوظيف العومي واحداث ضرائب موجهة للطبقة المتوسطة وخصخصة المؤسسات العمومية التي تعمل في قطاعات تنافسية وتلاقي صعوبات مالية. وكإجراء مصاحب وقع التخفيض مجددا في قيمة الدينار مقابل العملات الاجنبية. تميّزت الفترة 1986 الى 1989 بعدم الاستقرار السياسي اذ شهدت انقلابا على راس السلطة وتواتر خمس وزراء اول ، بحيث لم يتبلور الشكل النهائي للخيارات الاقتصادية إلا مع مطلع التسعينات اذ بدأت تتضح ملامح الخيار الاقتصادي المعتمد حصرا على السوق في توزيع الموارد والاستثمار والعمل. وقد تأكد ذالك الخيار عبر تعزيز انخراط الاقتصاد الوطني في الاقتصاد العالمي والمغالاة في الانفتاح الاقتصادي وشدة التأكيد على مصطلحات جديدة مثل الاستثمار الخارجي والتصدير والقدرة التنافسية العالمية. وكخطوات عمليّة لتجسيد هذا التوجه وقع الترفيع في وتيرة عقد الاتفاقيات التجارية الثنائية حيث احصينا 22 اتفاقية في الفترة 1991- 1995 من مجموع يقارب 45 وقّعت منذ الاستقلال.كما انضمت تونس الى المنظمة العالمية للتجارة في 29 مارس 1995 ووقعت على اتفاق التبادل الحر مع الاتحاد الاوروبى في جويلية من نفس السنة. على المستوى الوطني اعيدت هيكلة المؤسسات الراعية للاستثمار فوقع التخلي عن الاولوية التي كانت تتمتع بها الانشطة الصناعية والمنتجة، وفي المقابل وقع التأكيد على الانشطة الخدماتية ولدعم هذا التوجه وبتواطؤ مع اتحاد الشغل فتح الباب امام التوظيف الهش عبر المناولة . ولتفعيل الانفتاح أحدثت وكالة تطوير الاستثمار الاجنبي سنة 1995 ، وفي خطوة بالغة الدلالة والتعبير على محتوى منوال التنمية وعلى المنهج النيوليبرالي استحدثت وزارة تلخص تسميتها الخيار الاقتصادي المعتمد ونقصد بذالك وزارة التنمية و الاستثمار الخارجي. النيّو ليبرالية والثورة افضى المسار الاندماجي للاقتصاد الوطني في الاقتصاد العالمي الى مجابهة المنافسة العالمية، وكإجراء يهدف نظريا الى الرفع من القدرة التنافسية للاقتصاد المحلي المشبع بالعصبية الجهوية تم تقسيم البلاد اقتصاديا وتنمويا الى جهات ساحلية منخرطة في الاقتصاد العالمي ومستفيدة من النمو ومداخيل الريع التي يوفرها من فسفاط والبترول من جهة والى جهات اخرى مهمشة وقع تسخيرها واخضاعها قسرا للهيمنة الاقتصادية للشريط الساحلي . ويتلخص هذا الخيار في استثمار كل موارد وطاقات البلاد لتطوير الانشطة الاقتصادية والاجتماعية وتحسين البنيّة التحتية والتجهيزات والمرافق العامّة في الشريط الساحلي بدعوى تعزيز قدرته التنافسية في الاقتصاد العالمي . اما المناطق الاخرى فقد اعتبرت موردا اضافيا اذ تم اخضاعها لنمط اقتصاد استعماري هدفه توفير موارد طبيعية ومنتجات فلاحيه غير محوّلة وبأثمان بخسة من جهة وابقائها خزّانا لليد العاملة الرخيصة والموسميّة والوظائف الهشة التي قد يحتاجها الجزء المنخرط في العولمة. بالرجوع الى التصور النيو ليبرالي فان تهميش الجهات كان من ضرورات نجاح النمط الاقتصادي المعتمد. واقعيا عرفت البلاد خلال الفترة الممتدة من 1990 الى الآن تعايش نمطين من التنمية نمط مندمج مع الاقتصاد العالمي ويهم جهات الشريط الساحلي ونمط من الاقتصاد الاستعماري في باقي الجهات في سيّاق - سياسة اقتصاديّة وضعت جانبا مناطق كاملة لا يمكنها الالتحاق بقاطرة التنميّة الاقتصادية ...وعلى اعتماد إستراتجية هيمنة اقتصادية على المناطق الداخلية...إذ وضعت هذه الجهات بفعل خيارات سياسيّة على هامش أي حركيّة تعصيريّة ، وكوظيفة أساسيّة أوكلت إليها توفير يد عاملة رخيصة للمهن المحتقرة .- كما ورد نصا في الصفحات من 44 الى 46 من الكتاب الأبيض الصادر في اكتوبر 2011 عن وزارة التنمية. بشكل موضوعي وبالنظر الى جغرافيا الثورة ولشعاراتها نقدر ان قيّام الثورة هو بالأساس تمرّد على النمط التنموي النّيو ليبرالي المتطرف والمطعم بآليات العصبّية الجهويّة . في مسؤوليات المحافظ المعفى او القوانين 82 و 83 لسنة 94 بالنظر الى تزامن فترة قيام محافظ البنك المركزي المقال على مسؤولية قطاع التنمية والتخطيط بصفة وزير التي امتدت من مارس 1990 الى سبتمبر 1995 مع فترة صدور التشريعات التي تكرس انخراط الاقتصاد التونسي في النهج النيو ليبرالي وبالنظر الى القرارات التي رعاها او اتخذها نعتقد ان دور المحافظ المقال كان محوريا في اعتماد الخيار النيوليبرالي وبصيغته المتطرفة ، كما نعتقد انه يتحمل مسؤولية سياسية وربما مسؤوليات ذات طبيعة اخرى ، في التنظير والتخطيط للسياسة التمييزية بين الجهات وفي تنظيم عملية تهميش المناطق وحرمانها من التنمية بطريقة محكمة وممنهجة . كما نعتقد ان كل الوزراء الذين كلفوا بالتخطيط والتنمية الى الان يتحملون مسؤوليات مماثلة وذلك لمحافظتهم على نفس المنوال التنموي ودعمهم له . وقد كرست رسميا هذه الخيارات التمييزية عبر القوانين 82 و 83 لسنة 1994 التي صدرت تحت رعاية المحافظ المقال واثناء توليه وزارة التنمية والتخطيط حيث كلفت المندوبية العامة للتنمية بمقتضى قانون 82/94 بتنمية الشريط الساحلي متمتعة بصلاحيات اصطلح على تسميتها بالوطنية وتتماشى مع ضرورات الاندماج في الاقتصاد العالمي، في حين استحدثت دواوين اقليمية بمقتضى قانون 83/94 تعنى بالمناطق الخاضعة للهيمنة الاقتصادية وتنسجم صلاحياتها ومهامها مع الوظائف الموكلة لتلك المناطق من توفير يد عاملة ومواد اولية رخيصة لفائدة الانشطة الاقتصادية القائمة في الشريط الساحلي . كما ان نسبة الاستثمارات العمومية الفعلية في المناطق المهمّشة شهدت تراجعا حادا في المخطط الثامن 1992-1996 وفي المخططات الموالية وتصاعد نسق خصصة المؤسسات العمومية ليبلغ معدل 15 مؤسسة سنويا مقابل معدل خصخصة 6 مؤسسات سنويا في الفترة السابقة، كما شهدت نفس الفترة تسارع وتيرة تسريح العمال شركة فسفاط قفصة مثلا- بدون توفير بدائل تشغيلية. التّصفيق الصّادم ان وجود أجير سابق للبنك الدولي على راس البنك المركزي وضع يتنافى مع ابسط الشروط المهنية والاخلاقية للقيام بالمهمّة من عدم تضارب المصالح. فالبنك الدولي متّهم بالتواطؤ مع الدكتاتورية وبالانحياز لخيراتها التنموية الفاشلة وبنشر تقارير مغلوطة احصاءات كاذبة ، كما ان شكوك عديدة تحوم حول قروضه. ان التصفيق الحار الذي خصّ به خطاب محافظ البنك المركزي المقال في المجلس التأسيسي يحمل دلالة سياسية صادمة، فالرّجل من أبرز رموز النظام الاقتصادي لبن علي. فالتّصفيق الحار ومساندة من ساهم في وضع الاطر المؤسساتية والمنهجية المحكمة لتهميش الجهات المحرومة، يجرح مشاعر العديد من المنتمين لتلك الجهات وغيرهم وقد يقدرون التصفيق تواطؤا مع القوى التي تسببت في حرمانهم. ان الدّعم المقدم للمنظّر ولراعي المنهج الاقتصادي النيو ليبرالي المتوحش الذي اثمر ثورة لا نقدر على فهمه الا في سياق انفعالات مزاجية او من قبيل الرعونة السياسية الطارئة. ان ما حدث من مساندة ودعم وتصفيق للمحافظ المقال يدفع الى طرح السؤال: هل ان التحالفات والتقارب مع الحرس القديم اوسع مما نقدر وان رجوعهم إلى الساحة قد يكون اقرب مما نتوقع. نأمل ان لا يكون هذا الدعم والتصفيق لأحد رموز النظام الاقتصادي لبن علي مقدمة لعودة التصفيق لرموز آخرين في مجالات متعددة. بقلم: الصغير الصالحي* ٭ مناضل سياسي مستقل