في المنصورة (القيروان): أميمة قتلتها حافلة التلاميذ في أول أيامها الدراسية

Al Anouar - 2008-10-14
Lu 1244 fois

فرحت أميمة بالتحاقها بالمدرسة أخيرا صحبة أترابها وأبناء الحي بعد أن تأجل قبولها حملت حقيبتها تدفعها فرحة الطفولة نحو طلب المعرفة واللعب والتواصل مع العالم.
هذه الجملة ليست نصّا سرديا أو قصّة أطفال أدرجت بكتب طلاب التعليم الابتدائي، بل هي بداية حادثة مأساوية اهتزّ لها أحد أحياء القيروان وفجعت عائلة فتناثر الحزن في كل مكان من دموع الأم و قلب الأب، إثر حادث مرور مأساوي.
حدث ذلك مساء يوم الاثنين بحي المنصورة بالقيروان بعد أن دهست حافلة خاصة بالتلاميذ طفلة في السادسة من عمرها أثناء عودتها من المدرسة بعد إتمام يومها الدراسي الأول بمدرسة المنصورة المجاورة التي التحقت بها مؤخرا، فأودت بحياتها على عين المكان بعد أن هشمت جمجمتها، وذلك على بعد 30 مترا من منزل والديها بينما كانت الحافلة ( زينة وعزيزة) قادمة من حي المنصورة في اتجاه حي الصحابي مرورا بحي طريق حفوز.
«الأنوار» انتقلت الى مكان الحادث حال بلوغها النبأ المفجع واستقت بعض المعطيات الدقيقة من شهود عيان كانوا في قلب الواقعة وعلى مقربة من المكان الذي قتلت فيه الطفلة وعاينت بعض التفاصيل والآثار الباقية من الفاجعة.
طريق العودة... وآخر خطوة
تعود تفاصيل الحادثة حسب الطفل سفيان (11 عاما) (الذي كان يسير خلف الضحية بعد أن ذهب لاصطحاب شقيقه من المدرسة) أن الطفلة أميمة المطيري (6 سنوات) كانت راجعة الى المنزل بعد انتهاء الدروس بمدرسة المنصورة القريبة من محل سكناها حوالي الساعة الخامسة مساء وكانت برفقة شقيقتها الكبرى (7 سنوات التي تدرس معها في نفس المدرسة) وصحبة جدتهما التي تعودت انتظارهما والعودة صحبتهما اتقاء لشرّ الطريق. وعندما أرادت أميمة قطع الطريق وقبل أن تبلغ الضفة الأخرى صدمتها حافلة خاصة بالتلاميذ كانت قادمة من «المنصورة» في اتجاه طريق حفوز.
الشاب أيمن السعودي (16 سنة) قال انه كان يقف أمام أحد المحلات كعادته كل مساء رفقة أترابه يراقب سير السيارات العابرة في سرعة جنونية فكان أدق في وصفه وذكر أن الطفلة أميمة كانت رفقة شقيقتها ريمان وجدتهما لأمهما فطوم (70 سنة) وعندما بلغن الشارع المؤدي الى المنزل توقفت الجدة رفقة حفيدتيها واستكشفت الطريق لكن إيمان تمكنت من عبور الطريق رغم عدم وجود ممر خاص للمترجلين وعندما رأت أميمة أن شقيقتها عبرت الى الضفة المقابلة بسلام (وهي تجري) انفلتت من يد جدتها العجوز وأرادت أن تحذو حذو شقيقتها لكن التوقيت لم يكن مناسبا.
ويضيف الشاب أيمن أن حافلة كانت قادمة من حي المنصورة في اتجاه طريق حفوز تقل تلاميذ في طريق العودة الى منازلهم (حوالي الساعة الخامسة وبضع دقائق). وذكر أن الحافلة كانت تسير بسرعة في قلب الطريق وعندما انتبه السائق لوجود الطفلة لم يكبح الفرامل وظلت الحافلة تسير وهي تدهس جثة الهالكة.
فظاعة المشهد
من جهته كان السيد عادل بن محمد الطيبي (من مواليد 1975) أحد الذين شهدوا الحادث وجدناه في حالة غثيان وانتظرناه الى حين استفاق فذكر لنا أنه كان يمزح رفقة بعض رفاقه وهو يقف قبالة منزله في انتظار عودة ابنته من المدرسة على مسافة حوالي 30 مترا من موقع الحادث، مؤكدا أنها المرة الأولى التي يرى فيها مثل هذا المشهد المأساوي وبتلك الفظاعة. ويقول ان الطفلة عندما «تملصت» من يد جدتها وأرادت قطع الطريق، أدركتها حافلة من نوع زينة وعزيزة وصدمتها في مناسبة أولى بعجلتها الأمامية اليسرى حتى ألقتها أرضا ثم دهستها بعجلتيها الخلفيتين الى درجة سحق جمجمتها التي تناثرت منها الدماء وبعض من دماغها.
ويضيف أنه ظن في البداية أنها ابنته الكبرى وعندما اقترب من الجثة هاله ما رأى وأصيب الغثيان وهو ينزع قميصه ليسجي الطفلة ثم ابتعد مذهولا وهو يتقيّأ.
وذكر السيد عادل الطيبي أن سائق الحافلة واصل سيره حوالي 100 متر مخلفا وراءه الهالكة التي لم تحرك ساكنا لكن التفاف التلاميذ من حوله وشروعهم في الصياح والعويل اضطرّه الى فتح الباب لينزل التلاميذ ويستقلّ سيارة تاكسي ويلوذ بالفرار الى مكان غير معلوم (قد يكون اتصل بالشركة).
شاهد عيان آخر وهو السيد المنجي بن معمر الجلاصي (من مواليد 1963) ذكر أنه كان يقف أمام محل تجاري على الطريق وقد شاهد الطفلة أميمة تتملص من يد جدتها لتقطع الطريق وتلحق بشقيقتها إيمان ونجحت في الإفلات من يد الجدة المسنّة وعندما همّت بالجري نحو شقيقتها تعثرت ونزع نعلها فعادت لتستعيده لكن الحافلة صدمتها. وأكد أن الحافلة لم تتوقف ولم تخفض من سرعتها فصدمت أميمة ثم دهستها حتى سحقت جمجمتها التي أصدرت صوت انفجار وتناثرت الدماء والدماغ على الرصيف.
وفي الأثناء تمّ الاتصال بشرطة المرور لإيجاد حل للجثة الملقاة. وذكر السيد عمار أن عون الأمن (شرطة المرور) الذي حضر اتصل بالحماية المدنية وبالسلطات المعنية من أجل الإذن برفع الجثة. وأكد أن أعوان الحماية المدنية وجدوا الفتاة قد فارقت الحياة وتبعا لذلك أكد أعوان الحماية أنه لا يجوز لهم حمل الجثة التي بقيت على حالها الى حين وصول ممثل النيابة العمومية.
مأساة خلف المنزل
تمّ كل ذلك على مقربة من منزل والدي الهالكة بحوالي 30 مترا لكن بعيدا عن أنظارهما، فقد غيّبهما السعي وراء لقمة العيش عن الأحداث، وذكر السيد عبد القادر مطيري (من مواليد 1970 والد الهالكة أميمة) أنه لم يعلم بالخبر إلا عند عودته من العمل، فقد تمّ الاتصال به وطلبوا منه المجيء الى المنزل بعجالة وسردوا له قصة وهمية حتى لا يصدموه مفادها نشوب شجار بين زوجته وإحدى الجارات، فلم يصدق الأمر لعلمه بأخلاق أم أولاده فهرع مسرعا لشعوره بحدوث أمر أجل ووصل الى المنزل لكن بعد أن تمّ نقل جثة طفلته.
وكذا الحال بالنسبة للوالدة نجاة (32 عاما) التي حال التحاقها بمسرح الواقعة بعد سماعها الخبر متداولا بين ألسنة الجيران ولم تستوعب الخبر فجدت في التحقق مما سمعت واتجهت الى مكان الحادث لكنها وجدت المسؤولين بصدد نقل جثة فلذة كبدها فتلهفت في اللحاق بها وهي تبكي بحرقة على فقدانها وطلبت من المسؤولين السماح لها لكن لم يتسنّ لها ذلك بسبب التعليمات الأمنية.
وذكر السيد سمير الطيبي (35 عاما) أن أميمة من مواليد 26 فيفري 2003 وهي لم تتم عامها السادس حتى يتسنّى لها اللحاق بالمدرسة شأنها شأن أترابها لكن إلحاح أميمة على والديها ورغبتها الجامحة في أن تلتحق بالمدرسة مثل شقيقتها إيمان (السنة الثانية ابتدائي) وبقية أترابها، جعلت الوالدين يناشدان المسؤولين للسماح لكريمتهما بالترسيم وتحقيق ما ترنو إليه الى أن تمّت الموافقة على «إلحاقها» بمدرسة المنصورة (تمّت الموافقة يوم السبت أي قبل يومين من الحادث).
ورغم قلّة ذات يد العائلة فقد تمكنت أميمة من الحصول على الأدوات المدرسية وبعض الملابس بمساعدة أحد الجيران، والتحقت «التلميذة الجديدة» بأصدقائها في المدرسة في فرحة لا توصف وحملت حقيبتها المثقلة بالكتب والكراسات وربما جميعها وأمضت يومها الأول مع أترابها وتعرّفت الى طاولتها ومعلّميها لكن الموت خطفها من فرحتها وخطف الفرحةر من قلب والديها.
الطريق... غول مخيف
أثناء استماعنا لإفادات الشهود أجمع كثيرون من سكان الحي (الذين تجمعوا حولنا كما تجمعوا قبل ساعة حول الجثة أن الطريق الذي يقطع حي (علي باي) ما انفكّ يحصد الأرواح، وذكر عادل الطيبي أن أكثر من 3 حوادث وقعت في ظرف سنة واحدة قبل هذا الحادث وكان المتسبب هي الحافلة في مناسبتين وكان الضحايا من تلاميذ المدرسة كما دعا السيد سمير المطيري الى ضرورة تبليط الرصيف على جانبي الطريق الذي يقطع الأحياء السكنية ووضع علامات لتحديد السرعة ومخفضات ووضع رادار إن لزم الأمر.
* ناجح الزغدودي



Octobre 2008
LMMJVSD
01 02 03 04 05
06 07 08 09 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30 31
<< >>