حرفان بين التفكير والتكفير...
Assabah - 2012-08-08Lu 424 fois
مرت قبل أيام الذكرى السنوية لاغتيال الكاتب والمفكر المصري فرج فودة الذي قتل غدرا قبل عقدين من الزمن تحت أنظار ابنه وهو يغادر مكتبه وذلك بسبب افكاره وارائه التحررية المثيرة التي أثارت خصومه, وعجلت بقتله وتصفيته وهو الذي تجرأ على رفع شعار الدين لله والوطن للجميع, ولا تزال تصريحات قاتل فرج فودة, الذي لا يعرف القراءة أو الكتابة, خلال المحاكمة, بأنه قتله لانه كافر تثير الحيرة في النفوس وتؤجج المخاوف حتى وان كان الامريتعلق بفئة محدودة لا تؤمن بحق الاختلاف. فليس سرا أن قاتل فرج فودة كان تصرف نتيجة لتأثير تسجيل تحريضي لاحد الأئمة وهو الشيخ عمر عبد الرحمان المسجون حاليا في الولايات المتحدة وكان قد حكم على فودة بالارتداد والكفر لا لشيء الا لانه جعل العقل الذي ميز به الخالق الانسان عن بقية مخلوقاته أداته في تقييم الواقع وتأويل التراث وهو ما أنكره عليه من اعتبروا أنفسهم أكثر اسلاما وايمانا من غيرهم. والحقيقة أن ما أعاد فصول محاكمة قاتل فرج فودة الى الاذهان اليوم تصريحات الاستاذ مورو لوسائل الاعلام بعد الاعتداء الذي تعرض له عن ظروف وملابسات الجريمة الموثقة التي استهدفته والتي تابع أطوارها شريحة واسعة من التونسيين واكتشفوا معها تلك العقلية المتصلبة الغارقة في تطرفها وسلبيتها في التعامل مع الاخرين والغاء حقهم في حرية الرأي والتعبير... والواقع أن فرج فودة لم يكن الوحيد الذي تعرض للتكفير ودفع غاليا ثمن الاصداع بارائه وأفكاره المطالبة بضرورة الفصل بين الدين والدولة وقد وجد الكثير من المفكرين في عصور مختلفة مؤلفاتهم وكتبهم تصادر وتحرق, وكما تعرض المفكر الطاهر الحداد في تونس الى مختلف التهم بالكفروالزندقة والالحاد بسبب مواقفه من قضايا المرأة والمجتمع حتى مات هما وكمدا, فقد نال نصر حامد أبوزيد وزوجته ما نالاه من اتهامات أدت في نهاية المطاف الى اقرار محكمة مصرية قرارها الغريب بالتفريق بينهما وطلاقهما بدعوى عدم السماح بزواج المسلمة من كافر كل ذلك قبل أن يختارنصر حامد أبو زيد و زوجته قهرا الحياة في المنفى على مواجهة الخطر. نستعرض ما تعرض له المفكر المصري وما تعرض له نجيب محفوظ ونوال السعدواي وسعد الدين ابراهيم ونحن نتابع ما تعرض له الاستاذ مورو من اعتداء مشين في عاصمة الاغالبة وهو الذي كان يشارك في ندوة فكرية حول التسامح فوجد نفسه يتعرض لاعتداء على يد متطرف لم يرق له دفاع الاستاذ مورو عن المفكر يوسف الصديق وشهادته بأن الرجل لم يتعرض بسوء للسيدة عائشة... وبعيدا عن السقوط في لعبة المبالغة والتهويل وتحميل الامور أكثر مما تحتمل فان الواقع أن ماحدث ما كان له أن يمر دون اثارة المخاوف بشأن ما يمكن أن يؤول اليه المشهد في بلادنا أمام تفاقم ظاهرة التطرف وغياب الحوار والاصرار على انكار الاخر ورفض حقه في التفكير الحر. قد تكون الصدفة وحدها شاءت أن يتزامن الاعتداء على شخص الاستاذ عبد الفتاح مورو في عاصمة الاغالبة خلال ندوة حول التسامح مع حدث دولي تاريخي تمثل في ارسال المسباركيوريوسيتي أولى الصورالتي التقطها من على سطح المريخ بعد هبوطه في مهمة تستمر لسنتين لصالح وكالة الناسا على الكوكب الاحمر بحثا عن أدلة حول وجود المقومات الاساسية للحياة هناك وهي مقاربة من شانها أن تحدد حجم القرون الطويلة التي تفصل بيننا كشعوب ومجتمعات لا تمتلك أسباب اكتفائها الغذائي الذاتي وبين المجتمعات المتقدمة التي راهنت على الاستثمار في الانسان وعلى العقل البشري لكسب رهانات المستقبل... الاعتداء المشين الذي تعرض له الاستاذ عبد الفتاح مورو والذي أثار ولا يزال يثير استهجان العامة والخاصة في مختلف الاوساط الشعبية والرسمية الا بعض تلك النفوس المريضة التي اطلقت لنفسها العنان على المواقع الاجتماعية للتشفي من الرجل والانتصار للمعتدي, من شأنه أن يؤكد أن بين التفكير والتكفير حرفان ولكن فيهما من أسباب الموت أو الحياة ما يدعو الى وقفة تأمل متأنية حول مظاهر التطرف والتعصب والرفض للاخر المتفاقمة في البلاد, فليس سرا بالمرة أن هذا الاعتداء لم يكن الاول من نوعه وقد لا يكون حتما الاخير في ظل حوار الطرشان الذي بات سيد الموقف على الساحة السياسية والفكرية والثقافية... آسيا العتروس