التلاعب بالمقدّسات
Assabah - 2012-08-17Lu 477 fois
مَنْ يستطيع أن ينكر إن المقدسات مِنْ جوهر سلامة مجتمعنا؟ ألم يشكّل الذود عنها المعضلة المحورية لاسترجاع التوازن والعافية عبر حقبات أساسية من تاريخنا تهددنا خلالها مخاطر جمة؟ هل هذه الحقيقة المجرّدة كافية لتبرير كل المبادرات الداعية لحماية المقدسات أو للاصطفاف وراء كل من زعم الثأر لها ؟ ألا يحقّ لأي فرد من المجتمع أن يرى نفسه مؤهلا للذود عن المقدسات؟ ألم يتذرّع بن لادن بتسخير جهده وماله دفاعا عن المقدسات؟ ألم يدمّر اتباعه في العراق مرقد الإمامين ؟ ألم نشاهد ببلادنا من أحرق المباني والارزاق ثأرا للمقدسات ؟ ألسنا مدعوين أمام تصاعد مثل هذه الدعوات إلى لزوم الحذر والتريّث والتحفظ؟ أليس من الأفضل أن نسعى لاستبيان ما من شأنه أن يقينا من الفتك بمجتمعنا وزرع ألغام الدمار قبل الانصراف الأعمى في الذود عن المقدسات؟ أيحقّ لأعضاء حركة النهضة في المجلس الوطني التأسيسي مصادرة قضية المقدسات والحال أن الناخبين أنابوهم لغير هذه المأمورية ؟ أهناك يقين قاطع أن دوافع هذا الفصيل الحزبي الماسك بالسلطة مجرّد من حسابات انتخابوية ؟ ألا يعتبر الحشر بالمقدسات ضمن جداول الساحة الإعلامية-السياسية من قبيل النيل منها ؟ أليس مجرّد الادعاء بالحاجة إلى ضبط المقدسات ضمن نص قانوني نوعا من إثارة اللبس حولها ؟ 1. أ هناك يقين أن ضبط المقدسات يفترض أن يوكل لبشر ذي دوافع وطموحات ولهم ميولات مذهبية واجتماعية واقتصادية وعائلية ورياضية محدّدة ؟ أليس من الأفضل اللجوء إلى لجنة عليا للمقدسات ؟ أيجدر تشكيل هذه اللجنة عبر التعيين من جهة إدارية أو عبر الاقتراع العام ؟ ومن هو الجدير بالترشّح لهذه المهمة ومن ليس له جدارة لها؟ أيتسنى حصر الأهلية لها في أصحاب الشهائد الأكادمية في الدين؟ أهناك ضمانات أن كل خريج من كلية الشريعة لم يلجأ للغش أو لم يوظف من مصالح بوليس بن عل ؟ أليس من الأجدر تشريك الأئمة في هذه اللجنة ؟ وهل يمكن أن نوفّق بين أئمة الحكومة الذين أُطردوا من قبل بعض المصلين وأولئك اللذين نصبهم البعض الآخر دون التثبت في ماضيهم ولا في أهليتهم للإمامة؟ أليس لألفة يوسف الأهلية للمساهمة في ضبط المقدسات مثلها مثل عبد الفتاح مورو ويوسف الصديق والخطيب الإدريسي وأمال القرامي ومحمد الطالبي وعبد المجيد الشرفي؟ 2. لماذا نضمّن بقائمة المقدسات المساجد والكنائس وهي صنع بشري ونقصي منها الإنسان هذا الخلق الإلهي؟ ألا يحق للجميع الاستشهاد بالكتب السماوية ؟ أيجدر الجزم بأن كل استشهاد بقول الكتب السماوية موصوف بالصدق ؟ ألا يجوز - تجنبا للسخرية من المقدسات - أن نمنع صنفا من المواطنين من الاستشهاد بالكتب السماوية وحتى من اقتنائها تفاديا لقيامهم بذلك إغفالا عن الساهرين رسميا على صيانة المقدسات ؟ 3. أليس من الأجدر - تحاشيا من عرض المساجد والكنائس للتدنيس - حصر زيارتها على المؤمنين الصادقين وتكليف اللجنة سالفة الذكر بإعداد قوائم في هؤلاء توزع على اساسها بطاقات مشفرة (كود بار) ثم نشكل جهازا خاصا يسهر على تكريس تلك التدابير ويتثبت من سلامة القوائم ؟ قد تدلّ كل هذه التساؤلات على اهتزاز معتقادات من ساقها كما قد يضمها البعض الآخر لنوايا تشكيكية مفترضة لدى كاتبها... غير أن يقيناً راسخاً يتجلى لمن يتأمل في تجارب مجتمعنا : * ليس المجتمع الذي صان المقدسات إنّما هي التي وفرت له الحماية في وجه الهزات دون أن تحتاج إلى منظومة سخّرت للغاية وبفضل أوسع الوفاق الذي تكرس حولها. من البديهي أن نواب حركة النهضة أبرياء" من أية دوافع توظيفية لهذه القضية. فجميع التهم التي قد يوجهها لهم البعض في السعي إلى بناء منظومة قهرية وإعداد ترسانة تشريعية على شاكلة المنوال المصري - الذي شرّع للقضاء الخضوع إلى تعاليم مشايخ الأزهر قادته إلى إصدار أحكام بتطليق نصر حامد أبو زيد لمجرّد كتابات أوّلت تطاولا على المقدسات.- هي "تهم مغرضة" تنخرط بالضرورة ضمن "مؤامرة". وفي الأخير لا داعي من الانزعاج من غياب أي إشارة للمرجعية الحقوقية الدولية ضمن مشروع القانون الذي أودعه نواب النهضة والرامي إلى تجريم المسّ من المقدسات، تلك المرجعية التي أثثت جميع نصوصهم المنددة لانتهاكات مظالم بن علي طيلة عقدين، إذ لا يجب أن نرى وراء ذلك رغبة في استثناء المواطن التونسي من حقه في الإحتماء بالحقوق الكونية، فذلك سهو مجرّد ... من أي تعليق. بقلم عمر المستيري مدير إذاعة كلمة