إلى أيّ حدّ يمكن الإطمئنان إلى حديث وزير الثقافة في الغرض؟
Assabah - 2012-08-25Lu 435 fois
لئن أقرّ وزير الثقافة مهدي مبروك في حديث أجرته معه صباح أمس إذاعة "أكسبراس آف آم " بضرورة التصدي للحركات المعادية للثقافة والفنون ببلادنا التي تقودها الجماعات المحسوبة على التيار السلفي فإنه قلل من خطورة المسألة مشيرا إلى أن رقعة تحركات هؤلاء غير واسعة ودعا إلى عدم تهويل الأمر. وقد استشهد بالمناسبة بالأرقام حيث قال أنه من بين مئات العروض الفنية التي انتظمت هذه الصائفة أوقف السلفيّون بضعة عروض ووقع تعطيل بضعة تظاهرات من بين عشرات المهرجانات. في مقابل ذلك أعلن الوزير أن الوزارة لا تقتصر في ردود أفعالها على التنديد وإنما تم تفويض الأمر في عدد من المسائل إلى القضاء. ولئن سلّمنا بأنه من واجب وزير الثقافة وهو يتحمل مسؤولية جسيمة في هذا الظرف الحاسم في بلادنا حيث تفتّقت شاهية الناس للتعبير عن أنفسهم وراودت الرغبة الكثيرين منهم في فرض إرادتهم على المجتمع مستعملين في ذلك مختلف الوسائل مستفيدين بكل تأكيد من مناخ الحرية الذي تيسّر بفضل الثورة الشعبية, لئن سلمنا أنه من واجبه ربما أن يتوجه بخطاب مطمئن للتونسيين وأن ينادي بعدم تهويل الأمر وأن لا يقع تقديم بلادنا في صورة قاتمة كما لو كانت تونس على حد قوله مقاطعة من "تورا بورا"( أفغانستان) فإنه من واجب الملاحظ كذلك أن يدق ناقوس الخطر وأن لا يقلل من خطورة التحركات التي يقوم بها النشطاء باسم التيار السلفي الذين لا يتورعون عن استعمال العنف والقوة لفرض سلوك معين أو نمط مجتمعي معين. من يضمن للتونسي أن لا تتوسّع رقعة الإعتداءات على الفن والفنانين بل على العكس إن التونسيين الذين خرجوا للتو من ديكتاتورية بغيضة مطالبون اليوم باليقظة وبالحيطة كي يكونوا على استعداد لمواجهة كل خطر ينذر بعودة الديكتاتورية وربما حتى في شكل أشد خطورة من تلك الديكتاتورية التي كتمت على أنفاس الناس لأكثر من عقدين من الزمن. فليس من أجل فرض ديكتاتورية المتشددين الدينيين والمتزمتّين إقتعلت الثورة الشعبية ديكتاتورية بن علي وإنما قامت الثورة ضد الديكتاتورية أي كان شكلها ومأتاها. ربما كانت هجومات السلفيين على الفنانين وعلى المواقع الثقافية بحساب الأرقام ومثلما قال وزير الثقافة في حديثه أمس للإذاعة المذكورة لم تبلغ العدد الذي من شأنه أن يبعث حقا الرعب في الناس لكن وقع هذه الهجومات التي خلفت في عديد المرات الجرحى والخسائر المادية الفادحة كبير. ولعل المحسوبين على السلفية لا يسعون إلا لذلك أي "الردع", ردع كل فنان أو مواطن يتمسك بحقه في الإبداع وحقه في التعبير بحرية وحقه في المعتقد وفق ما تضمنه المواثيق والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان. ثم من يضمن للمثقف والفنان والمواطن المستهلك للمادة الثقافية أن رقعة الهجومات لن تتوسّع ومن يضمن للتونسييّن أن تكون التجاوزات المسجلة ضد الفنانين وضد الفضاءات الثقافية مجرد حوادث عابرة أو معزولة. فالهجوم على الفضاءات الثقافية ومحاولات منع العروض وخاصة الفنية منها لا تستهدف مكانا بعينه أو فنانا بعينه وإنما هي عبارة عن اعلان حرب على الفنون والثقافة والإبداع عموما. أضف إلى ذلك ما سبق ذكره أي الردع والتخويف من خلال إقتحام الفضاءات واستعمال السلاح. فالملاحظ للساحة التونسيّة أنه وبمجرد الإعلان عن نتائج انتخابات 23 أكتوبر التي انتصر فيها حزب حركة النهضة صاحب المرجعيّة الدينية وحصل فيها على النسبة الأعلى من المقاعد بالمجلس الوطني التأسيسي سمحت له بقيادة الحكومة المنبثقة عن هذه الإنتخابات حتى خرج السلفيّون للشوارع يحاولون وبالقوّة فرض إيديولوجياتهم وعقائدهم ومذاهبهم ونمطهم المجتمعي على الناس (كان وجودهم قبل الإنتخابات أقل وضوحا) رغم أن الخطاب الرسمي لحركة النهضة وسواء كان ذلك على لسان أمينها العام حمادي الجبالي الذي أصبح رئيس الحكومة أو رئيسها راشد الغنّوشي يؤكّد على احترام مكاسب التّونسييّن وخاصة منها دولتهم المدنيّة ومجتمعهم الحديث. لكن لا أحد يستطيع أن ينكر اليوم أن خطر الجماعات السلفية ما فتئ يستفحل في البلاد خاصة إزاء المقاربة الأمنية المعتمدة التي أثبت عدم نجاعتها نظرا للتساهل الواضح في ردع التجاوزات حتى وإن كنا نؤمن أن المقاربة الأمنية لوحدها ليست الحلّ. من حق المواطن أن يتساءل: ما علاقة حزب حركة النهضة بالسلفيين؟ إذن من حق المواطن أن يتساءل خاصة وأن الحكومة المؤقتة وفي معالجتها لملف تحركات النشطاء السلفيين يطرح أسئلة كثيرة ويحيل على فرضيات من أبرزها أن هذه الحكومة توظف السلفيين لأغراض انتخابية. ولا يستبعد الملاحظون والمحللون السياسيون والمراقبون للمشهد العام ببلادنا هذه الفرضية خاصة أن قراءة المشهد تحيل على استنتاجات من بينها أن توقيت تحركّات السلفيين ومساحة نشاطهم يوحي وكأنها محكومة بأجندا سياسية معينة وبالتالي يرجح أن يكون السلفيون مجرد ورقة انتخابية يقع بها تخويف الناس حتى يسعوا إلى ابقاء الحال على ما هو عليه خشية من أن يصل هؤلاء إلى سدة الحكم في صورة تغيير نظام الحكم الحالي الذي تقوده أحزاب الترويكا(حزب حركة النهضة وحزب التكتل من أجل العمل والحريات وحزب المؤتمر من أجل جمهورية). وبالتالي من حق المواطن أن يجد جوابا صريحا عن سؤاله: ماعلاقة حزب حركة النهضة بالسلفيين اليوم؟ هناك معطى آخر لا يقل أهمية ولا يقل خطورة كذلك ويمكن اعتباره مؤشرا يدعم الفرضية التي ذكرنا. الأمر يتعلق بالتّضييق على حرية التعبير أكثر فأكثر. هناك تخوفات اليوم من عودة الصنصرة بقوة خاصة وقد راجت أخبار تقول بأن بعض البرامج التلفزيونية مهددة اليوم بالإيقاف بسبب ما يصفه بعض المسؤولين في الحكومة القائمة في تصريحاتهم بعدم احترامها لرموز السلطة في البلاد. وإذا ما صح ما تناقلته وكالات الأنباء وعدد من منابر الحوار الإجتماعي على الإنترنيت فإنّنا نكون بذلك مقبلين على مرحلة صعبة جدّا فيما يخص الحريات وخاصة منها الحريات الفردية وحرية التعبير والرأي والإبداع بصفة أخصّ. فالطريق إلى التضييق على الحريات تبدأ بخطوة وإذا ما دخلنا في منطق إحترام ما يسمى بالرموز والمقدسات إلخ... فإننا من الصعب أن نخرج من عنق الزجاجة. ومن الصعب كذلك واستنادا إلى هذه المؤشرات وغيرها أن نقتنع كثيرا بخطاب وزير الثقافة المطمئن الذي يرى أن المسألة محصورة في حدود ضيقة والذي حسب ما فهمنا منه في حديثه الأخير يعتقد أن القضاء كفيل بحل معضلة العنف السلفي. حياة السايب