عار وأيّ عار
Assabah - 2012-08-29Lu 410 fois
ما يجب أن يعرفه الجميع -لعل الأمر يساعد البعض على فهم رهانات العصر- هو أن كل الشعوب العربية وبلا أي استثناء- ولو وحيد يتيم -توجد اليوم في مرحلة من «التقدم» العلمي والتقني والحضاري متقهقرة -وبكثير- عن تلك التي كانت تعرفها الشعوب الغربية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. أي أن ساعة زمننا متخلفة- بكل ما في كلمة التخلف من معاني ووجوه-عن ساعة الزمن الحاضر بقرن كامل وعدة عقود. ويمكن القول دون خشية المعارضة أن هذه الحقيقة المرعبة يمكن اختزال سببها في كلمة واحدة وهي الدكتاتورية وكل ما هو مرتبط بها من ممارسات كالعسف والقمع ومصادرة الحريات والمحسوبية واختفاء قيمة الجدارة والكفاءة في كل ميدان وقطاع. وهو ما يكشف عنه بوضوح عبد الرحمان الكواكبي في «كتابه» طبائع الاستبداد ومصارع الاستبعاد» لما ذكر أن المستبد هو في حاجة -فقط- الى عيون في كل ميدان من ميادين الحياة الاجتماعية يتجسسون ويتلصصون على الرعية بما أن الهدف الأسمى له هو إدامة حكمه وتأبيده أما مصالح الأمة والوطن فهي تحتل مرتبة ثانوية جدا بل هي أحيانا خارج حساباته. وذكر الكواكبي -إذا لم تخنّي الذاكرة- مثالا لذلك وهو أننا إذا رأينا في شارع مجموعة من رافعي القمامة (الزبالين) يؤدون عملهم تحت أنظار «كبران» يقف مكتوف الأيدي ويراقبهم فلنتأكد أن هذا «العرف» أي المسؤول عنهم هو أرذلهم وأحظهم معدنا وأن «القوادة» هي التي مكنته من موقع المسؤولية وقس على ذلك في كافة المجالات. ولما تحققت الثورة، خلنا أن هاجسنا الأول سيكون الخروج من منظومة الحقارة والدناءة هذه التي أرساها بن علي وعصابته لنبني منظومة تقوم على الحريات ورديفيها وهما احترام الجدارة والكفاءة وإرساء «غرابيل» في المجتمع تفرز الصالح من الطالح في كل مواقع المسؤولية والقرار سياسية وإدارية كانت أو غيرها. فمن يجهل أن تدخل «السياسي» كان يشمل كل ميدان ولو كان تعيين طبيب كرئيس قسم في مستشفى بل ولو كان تعيين مدير مدرسة ابتدائية «مطيشة في الجبل». إلا أنه يبدو للأسف أن هاجس من حملهم صندوق الاقتراع الى السلطة هو غير ذلك وأن فهمهم وإدراكهم لرهانات اللحظة التاريخية محدود جدا، آني ومصلحي وأنهم أعجز من أن يستنبطوا آليات جديدة في هذا المجال فبقيت الولاءات للاسف الشديد - ويا خيبة المسعى- هي المعيار. إن تأخرنا الكارثي حقا في ساعة الزمن سيزداد اتساعا وامتدادا حسب المؤشرات الحالية التي لا تصعب قراءتها وتأويلها. فليست اللحية والجلباب أو الحجاب أو النقاب هي التي ستمكننا من سد الهوة التي تفصلنا عن العصر ولا إقرار الزواج العرفي أو الاستمتاع بأربع حرائر ولا قص الأيدي والأعناق ولا «بخلافة راشدة سادسة» أو سابعة.. إنّ الطبخة ـالأساسية- إن صح التعبير -التي مكنت الفرد والمجتمعات في الغرب أن تتقدم وتتطور وتبدع هي غير ذلك إطلاقا. إن هذه المجتمعات هي التي تطعمنا وتكسونا اليوم وتفرض علينا أدق دقائق حياتنا ومن العار أن نصر على أن نبقى كذلك الى أبد الآبدين بتفكيرنا وتصرفاتنا. وإنها لمفارقة، بل عار وأي عار أن تبقى منظومة الدكتاتورية قائمة في العقول والأذهان بعد هروب صاحبها ومؤسسها الحقيقي من البلاد. جمال الدين بوريقة