الدواء المرّ
Assabah - 2012-09-05Lu 400 fois
من الصعب أن يتعافى الإئتلاف الثلاثي الحاكم من الرجّة التي أوقعتها انتقادات رئيس الجمهورية منصف المرزوقي لحليفه الأساسي، حركة النهضة، واتهامها بالسعي إلى "الهيمنة على مفاصل الدولة". ما من شكّ أنّ المرزوقي اختار بدقة جميع العبارات التي تضمنتها رسالته الموجّه للمؤتمر الثاني لحزب "المؤتمر من أجل الجمهورية"، يوم الجمعة 24 أوت الجاري. مثلما هو مؤكّد أنّه قدّر بترو وقعها المحتمل - خلافا لما حدث خلال أزمة تسليم البغدادي المحمودي قبل زهاء الشهرين حين باغتته الأحداث و اضطرّ لمسايرتها - وخيّر تجنّب اللّوم الودّي، مفضّلا صرامة أوصدت جلّ الأبواب في وجه الحلول الصلحية. لا يهمّ أنْ خيّر حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الالتزام بالقطيعة أم رفضها... فهذا الفصيل استهدفته هزات الائتلاف وأنهكته حتى التصدّع، إضافة إلى عجزه عن التحرّر من الكاريزما الفريدة لزعيمه التاريخي. خطوة المرزوقي جاءت لتتوّج تراكما للنكسات ما فتئ يصيب التحالف الحاكم منذ تأسيسه على هشاشة فطرية حيث شهدنا الفصيلين العلمانيين، حزبا المؤتمر والتكتّل، ينخرطان في تزاحم شرس - فيما بينهما وداخل الفصيل الواحد - دعّم اختلال التوازن وساعد حركة النهضة على الاستفراد بالحقائب السيادية والسيطرة شبه الكاملة على جهاز الدولة. الائتلاف الثلاثي خيّب التطلّعات التي رافقت تشكيله من الفصائل الفائزة في أوّل انتخابات نزيهة منذ الاستقلال حيث ظنّه كثيرون متمسّكا برسالة إتمام تفكيك آليات الاستبداد وانجاز روزنامة الانتقال الديمقراطي. حكومة الجبالي لم تتميّز عن سابقتها وتنكّرت لواجب كشف حقائق دواليب الاستبداد للرأي العام وتأمين حفظ أرشيف حكم بن علي وإرساء مؤسسات لجمعه وتفادي اتلافه وتنظيم حق أي مواطن في الاطلاع عليه... مثلما تنكّرت لحاجة الثورة في وضع حدّ للإفلات من العقاب وتجاهلت طلبات المجتمع بمحاسبة المسؤولين عن انتهاك حقوق بناته وأبنائه والعبث بموارده وهكذا استمر مئات الجلادين في الاحتماء داخل الأجهزة كما واصل جلّ شركاء حكم بن علي في تطوير ثرواتهم واستثمار الامتيازات التي نالوها دون وجه حق. كما تماطل حكومة الجبالي في إقرار إصلاح للسلطة القضائية يكرّس استقلالها مثلما فشلت في إرساء منظومة أمنية يرتاح لها المواطن، حيث صار الجهاز الأمني عاجزا عن حماية المجتمع من عصابات الاجرام ومجموعات التطرّف التي تنهتك هيبة الدولة يوميا. وسعت إلى تغليف تنكّرها لرزنامة الانتقال الديمقراطي بتسويف الرأي العام وإكثار الخطب واللجان المشلولة. وفي المقابل نرى هذه الحكومة تنخرط بفاعلية لافتة في استهداف فضاءات التعبير الحرّ بغرض إسكات منتقديها. حكومة الجبالي أهملت أمانة الناخبين واستهترت بتطلعات المواطنات والمواطنين وفي المقابل أطلقت العنان أمام طموحات أنصارها وسعت إلى تلبية أطماع فئات انتهازية شتى - بما فيها مَنْ تقرّب لها من الموالين لحكم الاستبداد - وخضعت لاعتبارات سياسوية أذكت التنافر والأحقاد بين التونسيين. اعتاد قادة سلطة الائتلاف الثلاثي أن يرفعوا لواء الشرعية لإسكات منتقديهم، وكأنّ الشرعية تساوي تسلّمهم صكا على بياض من الناخبين وهو منطق يعيد إلى الأذهان غرور بن علي لمّا كان يُواجه بحقائق دامغة. تدهورت قدرة قادة الائتلاف الثلاثي على الاستماع إلى الناس ولتقبّل الرأي المخالف وتغافلوا عن استنفاذهم للرصيد المعنوي الذي أسّس لشرعيتهم. لا يهمّ إن كانت انتقادات رئيس الجمهورية تجاه حركة النهضة متأخّرة أم لا، ولا يفيد الكثير السعي إلى تبيان ما قد يشوبها من حسابت خاصّة... إنّها مبرّرة تماما، تشابه الوصفة الطبية، إذ أشار المرزوقي إلى مكمن الداء: جري انصار النهضة المسعور لاحتلال المراكز الإدارية. السؤال المحرج هو هل يبقى لدى القيادة التاريخية للنهضة حدّ من التبصّر يمكنّها من تدارك الموقف وحشد القوة الكافية للتعجيل بحركة تصحيحيّة ؟ من الأكيد أنّ حركة النهضة تعجّ بالإطارات المقتدرة التي استوعبت التجربة واستخلصت الدروس من المحن وتستطيع التمييز بين نصيحة الاصدقاء القاسية وكمين الاعداء المغري... قيادات لم تسقط من ذهنها ذاكرة الماضي الأليم عندما سيطر الصلف على توجّهاتها قبل زهاء ربع قرن وكلّف الحركة وانصارها ضربات أقوى من ضربات ألدّ أعدائها... ذات الصلف الذي أوصلهم داخل كماشة الاستقطاب الثنائي وكانت نتيجته عقدين من الدمار والتقهقر لتونس. يبدو أن منطق الاستقطاب الثنائي لا يزال يغري الكثيرين داخل النهضة ممّا يجعلنا نخشى سيناريو تطاحن كارثي قد يفتح أمام تونس أبواب جحيم الدكتاتورية من جديد. كما نخشى استسلام النهضة للغلو، خشية يغذيها تصاعد نزعة انتقامية وتكاثر مظاهر الانغلاق على الذات وعدم الاكتراث بالصديق والحليف مقابل تنامي صلات مريبة مع بعض أعداء الأمس القريب... على حركة النهضة أن تعي بواجبات كل مرشّح للسلطة في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ تونس والمرهنة بالتركة الثقيلة التي خلّفها الاستبداد والسعي إلى تسوية الشروخ العميقة التي تشق المجتمع وتضميد جراحه عبر مقاربة تصالحية. وفي هذا الصدد على النهضة أن تدرك أن استرجاعها للمصداقية يتطلّب منها التغلّب على أهواس الماضي والتخلى عن طموحات تصفية الإرث البورقيبي والامتناع عن الانسياق الأعمى وراء كلّ دعوة للتصادم مع العلمانيين. حركة النهضة تحتاج إلى مراجعات موجعة، لكنها ضرورية، مثل التنازل عن احتكارها لوزارات السيادة واستبدال ثقافة استعداء الخصوم بسنّة التحاور والتشارك معهم في أوسع مجالات ممكنة. تصحيح المسار الثوري يقتضي تجاوز الائتلاف الثلاثي الحاكم لعجزه على كسب المؤهلات الكفيلة بقيادة البلاد ومواجهة التحديات : المناخ العام قابل للتدهور بحكم تضاعف الأزمة المالية العالمية والارتفاع المتسارع لاسعار النفط والمواد الغدائية من ناحية وتعاظم التهديدات الأمنية الناجمة عن عدم استقرار الأوضاع في ليبيا وفي جنوب الصحراء مما يمهّد الطريق للمجموعات الجهادية المتطرّفة لاختراق حدودنا والتفاعل مع المجموعات المحلّية. إنقاذ البلاد يحتاج إلى استرجاع الدولة لصرامتها وهذا مشروط بارتكازها على شرعية القانون العادل وعلى قابلية المواطن لها وضمان استبعاد الشبهات الحزبية عنها. تونس تحتاج اليوم إلى بناء تحالف حكومي جديد يتّسع لكل الكفاءات والفصائل القادرة على التجنّد لتحقيق الروزنامة الثورية وتبنّي دستور وفاقي وتحديد تاريخ انتخابات شفافة ونزيهة في أقرب الآجال. بقلم: عمر المستيري * مدير اذاعة "كلمة"