«القلابس» والرموز الوطنيّة
Assabah - 2012-09-06Lu 461 fois
أريد أن أعود اليوم مرة أخرى الى موضوع برنامج «القلابس» وما قيل حوله من أنه «تورط» في المس من «رموز البلاد»، فإقامة «رموز» جديدة بعد عام ونصف من ثورة تزعمها شعب كامل تقريبا ولم يكن لأي حزب أو حركة أو شخصية سياسية، هو أمر خطير جدا ومنزلق لا قرار له ويعيدنا الى المخطط الأول. فـ«الرمز» الذي أشار اليه وزير الصحة والذي استنكر المساس به هو السيد راشد الغنوشي دون أدنى شك. و مع احترامي الكامل للسيد راشد الغنوشي وما يمثله لمريديه ولغيرهم، فإنه يبقى رئيس حزب يستوي في هذا الموقع مع عدد كبير جدا من التونسيين الشرفاء من بينهم الدكتور المنصف المرزوقي وحمة الهمامي ونجيب الشابي وغيرهم، وإنه كمناضل يستوي في ذلك مع عدد أكبر من المناضلين الصناديد، كسهام بن سدرين وراضية النصراوي وكمال الجندوبي وكمال العبيدي والعديد من كوادر حزب السيد الغنوشي نفسه. بل إنه يمكن اعتبار توفيق بن بريك نفسه «متميزا» في هذا المجال، فأنا موقن كل اليقين أنه كان بامكانه، وهو الرجل الأعزل إلا من قلم وإرادة أنه كاد يسقط نظام بن علي بمفرده تقريبا في 2001، وأنه لولا أحداث الحادي عشر من سبتمبر من تلك السنة لأمكن له ذلك. فأنا لا أحب هذا الرجل، وأحس أن ما يفرقنا أكثر بكثير مما يجمعنا، فأنا لا أحب صلفه المبالغ فيه ونرجسيته لأنني أنتمي الى منظومة فكرية وتربوية تفرض على الشخص أن يتواضع أكثر كلما ارتفع أكثر، وتعود الى ذاكرتي كلما رأيته وسمعته يتكلم عن «أناه»، أي عن ذاته حادثة عاشها «أعظم عقل» في تاريخ البشرية وهو أنشتاين، فقد كان هذا الأخير على درجة من التواضع وتكاد لا تصدق، وكان يهمل لباسه وقيافته حتى أن امرأة اعترضته مرة في الطريق ظنت أنه متسول فوضعت في يده «دوتش مارك»! وأنا أيضا لا أحب بذاءة توفيق بن بريك اللفظية وكلامه السوقي، ولكن هذا لا يمنعني من أن أكن له احتراما كبيرا، وأن أعتبره «رمزا»... ولكن ليس بالمعنى الذي يريد البعض اعطاءه اليوم لراشد الغنوشي أو لغيره ـ من رموز النضال ضد بن علي لأنه ـ حسب تقديري ـ من الأوائل الذين جرؤوا على المهاجمة المباشرة المحقّرة والمذلة لبن علي وليلاه وللطرابلسية، والذي فضح وهو في تونس «مفيوزيتهم»، وهو وحيد أعزل لا يقف وراءه أي حزب أو مجموعة، ونجح في زعزعة نظام بن علي وأحدث فيه شرخا لم يتسن بعد اصلاحه أبدا. وإنني لموقن كل اليقين أن بن بريك وصل قاب قوسين من اسقاط نظام بن علي بعد أن جلب كل أنظار العالم نحو نظامه وألحق به فضيحة مدوية داخليا وعالميا، ولكن من سوء حظ شعب تونس وحسن حظ بن علي أن انصرفت الأنظار عنه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بل لقد استغل الظرف أحسن استغلال ليبرز نفسه على أنه سد منيع ضد «الاسلام العنيف»، وأن «الحل النهائي» (la solution finale) الذي واجههم به هو الوحيد القادر على كسر شوكتهم. إن فتح الباب أمام مفهوم «الرموز» بالمعنى الذي يريده البعض هو كما أسلفنا منزلق خطير يعيدنا حتما الى المربع الأول، مربع خنق الكلمة -جدية أو هازئة- ومحاربة الابداع، فإننا كلما خلقنا رمزا إلا ووجدنا وراءه رمزا آخر، وهكذا دواليك الى ما لا نهاية له، ووداعا للحرية والإبداع. جمال الدين بوريقة