في جنازة تاجر بباجة: أسرة منهارة تعوض الكلام بالبكاء والشهيق
Al Chourouk - 2008-04-17Lu 543 fois
صبية في ريعان الشباب تلاحق جنازة أبيها وهي الممنوعة من ذلك لأن الإناث لا يمشين في الجنائز.. تلطم خدّها وتذرف دمعها وتطلب ممّن منعوها من السير أن تخطو بعض الخطوات فتقطع مسافة مائتي متر قبل أن تعود لأن والدها مجيد لن يعود.. هكذا صادفناها في تشييع جثمان أبيها أول أمس بباجة.
مجيد (54 سنة) توفي فجر أول أمس في ظروف غامضة داخل منزله الكائن بحي الحدائق في باجة تاركا زوجة و4 بنات وطفلا واحدا.
ووفق ما ذكرناه سابقا فإن الغالب على الظن أن يكون مجيد ضحية جريمة قتل بالنظر الى آثار اعتداء كانت لوحظت على جبينه.
ومتابعة منا للموضوع زرنا أسرة الضحية وحاولنا التحدث الى أفرادها لكن استحال علينا الفوز بأي معلومة من زوجته وبناته لأن حزنهن أفقدهن القدرة على التعبير فحلّ محله البكاء والشهيق.
تركناهن على حالهن وبحثنا عن ضالّتنا فوجدناها لدى شقيقي الضحية.
بدأ محمد الشقيق الأصغر للهالك حديثه إلينا وهو لا يكاد يفهم ما حصل «أخي يعرفه الجميع في باجة.. الكل يحبّه والكلّ يرغب في مجالسته والاستمتاع بحديثه.. باع منزله القديم واشترى منزلا جديدا ورغب في إعداده على الوجه الأمثل ليكون قادرا على استقبال بناته الأربع وابنه الوحيد وزوجته فانصرف منذ أيام في رحلة مع البناء يوفّر له ما يلزم ويتفقد أدوات البناء وأجهزة العمل باستمرار.. ويوم الواقعة غادر المنزل القديم كعادته من أجل جلسة مسائية بمقهى قبل زيارة المنزل الجديد لتفقد سير الأشغال.
توالت ساعات الليل ولم يعد أخي الى منزله.. فانتشرت الحيرة في قلوب بناته وزوجته.. وحوالي الساعة الثانية صباحا هاتفتني زوجة شقيقي لتعلمني بأن شقيقي مجيد لم يعد الى المنزل وجرس هاتفه الجوال يرنّ دون ردّ.. أيقظت ابن أختي وانطلقنا نبحث عنه في المستشفيات والمراكز الأمنية ومقرّ عمله قبل أن نقصد منزله الجديد.. وفي حدود الرابعة صباحا تسلّق ابن أختي السور ونجحنا في الدخول لنعثر على شقيقي مجيد جثة لا حياة فيها ملقاة أرضا بجانب هاتفه الجوال الذي لم يتوقف جرسه على الرنين فأبناؤه لم يتوقفوا عن مهاتفته.. سكت محمّد عن الكلام وقد انحبس الدّمع في عينيه خلف نظارتيه.
دنا منّا شقيقه الأكبر رفيق ليفهمنا بأن محمد بات عاجزا عن مواصلة الحديث فانطلق يحدثنا عن مكانة شقيقه الهالك الاجتماعية.. وثقته في العدالة وقدرة أعوان الأمن على فكّ رموز هذه الجريمة التي ربطها بدافع السرقة..
وقد أكد أن شقيقه تاجر معروف بسوق الخضر بباجة وطبيعة عمله تفرض عليه أن يوزّع البضاعة صباحا ويجمع مبالغ مالية هامة مساء مما يمنعه من حفظها بأحد البنوك ويحتّم عليه الاحتفاظ بها في جيبه الى صباح اليوم الموالي لتجدّد العملية.. ومن هذا المنطلق فإن مرتكبي الجريمة قد رصدوا تحرّكاته.. وتبعوه الى منزله الجديد ولما انفردوا به قتلوه وسلبوه ولا أدلّ على ذلك من خلاء جيوبه من أيّ مليم ساعة اكتشاف جثته..
«سَنَدْ» هو اسم الابن الوحيد للهالك وهو شقيق بناته الأربع.. سند لم يشتدّ عوده بعد فهو لا يزال طفلا حالما ولكنه سار في جنازة أبيه وخرج عن المألوف فالمألوف أن يخيّم الصمت على مواكب الدفن لكن سند مزّق هذا الصمت ومزّق قلوب السائرين في الجنازة فطوال الطريق من المنزل الى المقبرة كان يردّد.. «لمن تركتنا يا أبي.. لا تذهب بعيدا يا أبتي.. عُدْ ولاتتركني».. لم يجبه أحد حتى صمت.. بمرور الأيام والأعوام سوف يتأكّد من أن والده لن يعود.
* إيهاب