مجرمـــــــــون لكنهم أبريـــــــــاء: أنصفهم القانون وحاكمهم المجتمع
Al Chourouk - 2008-04-25Lu 651 fois
* تونس ـ «الشروق»:
داخل غرفة صغيرة يفتح بابها على رواق زينت كل جدرانه بإطارات وصور صنعت يدويا، جلس (م) الى طاولة بلاستيكية مطأطأ الرأس بطريقة لا يمكنك من خلالها ان تتبين لون عينيه، منهمكا بكل جدية في صنع «منفضة سجائر» من الطين، حوّلها من عجين الى شكل يمكن استغلاله اختار لها من الألوان لون الحياة الأخضر، مبرزا بداخلها علامة المنع الأحمر، مبرزا اختياره بأنه هو الصائب لأنه ضد التدخين بالأماكن العامة، في حين اختار نزيل ثان لون السماء الأزرق والبحر تيمّنا بمسقط رأسه حيث تمتزج السماء بالبحر اللامتناهي، حين تشرق الشمس كل فجر.
حالة «م» وزميلة كغيرها من الحالات الأخرى المتشابهة، مرض نفسي وعقلي وتأثير على الحياة الخاصة ينتهي بارتكاب قتل لا يتحمل فيها المذنب المسؤولية الجزائية في نظر القانون فينقل للعلاج، لكن العلاج وحده لا يكفي للعودة للحياة من جديد، ويتطلب الأمر تأهيلا اجتماعيا كاملا.
المذنبون الأبرياء وأي الوسائل الفعّالة تهيئهم للحياة السوية من جديد، وأي دور للعلاج الوظيفي ليعودوا في خضم الحياة؟
بناية ارضية إطارها العام مستشفى الرازي والخاص قسم الطب النفسي الشرعي تفتح بدورها على بنايات متلاصقة في شكل نصف دائري تتخللها مساحات خضراء شاسعة، لممارسة الرياضة التي يؤمن حصصها،طلبة المعهد الوطني للتربية البدنية، هذه المشاهد الطبيعية ما يميّز المستشفى عن غيره عبر عقود من الزمن توحدها السكينة والهدود فلا تسمع الا زقزقة للعصافير ولا تحسّ الا بتلك النسمات تلفح وجوه العابرين.
هنا يقضي المذنبون الأبرياء فترات علاجهم مذنبون في نظر المجتمع بنوعية الجرائم التي ارتكبوها وأبرياء في نظر القانون الذي لا يحمّلهم المسؤولية.
من قسم الإقامة المراقب بالكاميرا الى قسم التأهيل والنقاهة حيث تتحسن حالة المريض ويصبح في مقدوره مغادرة المكان، لكن عملية الخروج تتطلب بدورها عملا طبيا واجتماعيا متكاملا.
داخل قسم النقاهة الأشبه بعيادة طبية لمصحة خاصة شيّدت حديثا، هي اقرب لبيت عائلي غرف قليلة آخر الرواق الذي زينت كل شبابيكه المطلة على ساحة صغيرة بستائر متشابهة أحيكت باتقان، تجمع عددا من المرضى حول جهاز الراديو يستمعون الى إذاعة الزيتونة التي علا صوت القرآن المنبعث منها الى الارجاء يترشفون فناجين قهوة ويتبادلون الحديث مع نزيل يستعد للمغادرة النهائية بعد ساعات قليلة وبغرفة ثانية تسمرّ نزيلان يشاهدان التلفاز بصوته المنخفض احتراما لصوت القرآن المنبعث من الجهة الأخرى.
في حين تراصفت الطاولات وحولها الكراسي بغرفة ثالثة في انتظار وصول العائلات في موعد الزيارة اليومي والتي تجاور المطبخ الذي يمارس فيه بعضهم هواية الطبخ المنفرد.
من هنا تبدأ مرحلة النقاهة لتتواصل مع مرحلة التأهيل والعلاج الوظيفي حيث يمارس العلاج بالعمل يتابعه مختصون وإطارات سامون في هذا المجال.
تقول الاطار السامي الآنسة وفاء بن سعيد المختصة في العلاج الوظيفي والمتخرجة من المدرسة العليا لعلوم وتقنيات الصحة، ان هذه المرحلة مهمة جدّا للمريض وان الغاية منها ليست إنتاجية بل علاجية بدرجة أولى: «العلاج بالعمل وسيلة جدّ فعّالة تهيئ المريض النفسي للانتقال التدريجي من ظروف المستشفى «كنزيل» الى الحياة العملية والمهنية السوية وكذلك اعداده بالشكل المطلوب للاندماج في الحياة الاجتماعية كمواطن عادي».
* رسوم وأشغال يدوية
أشغال يدوية متنوعة وصنع لإطارات الصور وتزويق للتحف والرسم على الورق بالألوان الزيتية والمائية وابتكار للمنتوجات أهم الأنشطة التي يقوم بها المريض أثناء متابعة حالته قبل المغادرة النهائية» هكذا أكد لنا السيد محسن المازني ناظر القسم.
مضيفا: «العلاج الوظيفي مهم يساعد جدّا في علاج المريض بدليل أنهم صنعوا عدة أشياء جميلة ومهمة تبرز مدى تقبلهم للحياة من جديد.
كما أكدت لنا السيدة حميدة بوبكر عبد الجليل المدير العام للمستشفى انه تم اقتناء آلات جديدة كالفرن وآلات لصنع الطين وتحويله الى تحف.
تم تركيزها في المبنى المشيد حديثا والمضاف لهذا القسم لتوفير أفضل الوسائل للمريض للعلاج اضافة الى قسم الموسيقى والى ممارسة الرياضة مرتين في الأسبوع.
هنا وبهذا القسم يغيب الداء تدريجيا ويحلّ محله الدواء مذنبون انصفهم القانون ولم ينصفهم المجتمع ليمكنهم من فرصة الحياة والبدء من جديد، فتبقى تلك النظرة «هذا الرجل كان في يوم ما، نزيلا..».
* سميرة الخياري كشو