«الشروق» تتابع «فاجعة الشابة»: في المحمدية: وفاة واحدة و11 مفقودا... وناج رغم أنفه... في «أولاد مبروك»: الحزن يلف الجهة... وحديث عن نجاة 17 «حارقا»...

Al Chourouk - 2008-04-26
Lu 797 fois

* تونس ـ «الشروق»:
يطوفون بين منزل ومنزل يتبادلون التعازي والمواساة حينا ويتواصون بالصبر حينا ويتشبثون ببصيص من الأمل حينا آخر... بعضهم فقد أخاه وآخر قريبه وآخر جاره وآخر صديقه.
هنا في «الحي العتيق» بالمحمدية يبحث الأهالي ـ حتى صبيحة امس ـ عن مصير 11 مفقودا بعد غرق مركبهم «الحارق» الى ايطاليا وينتظرون وصول جثة آخر بعد انتشالها والتأكد من هويتها.
ويهنئون احد ابنائهم بنجاته ـ رغم أنفه ـ * متابعة: عادل العوني حادثة الغرق جدت قبل أيام في المياه الاقليمية التونسية وحسب ما جمعناه من معلومات فإن 12 شابا من «الحي العتيق» بالمحمدية (ولاية بن عروس) اجتمعوا ساعة الواقعة مع 14 شابا آخرين (من الكبارية وجبل الجلود وسيدي فرج (قرب المحمدية) وقفصة والشابة وملولش في رحلة «حرقان» انطلقت من احد شواطئ الشابة (ولاية المهدية) في اتجاه السواحل الإيطالية لكن مركبهم الصغير المزود بمحرك غرق في ظروف لاتزال غامضة.
وقد أمكن انتشال 3 جثث احداها للشاب محمد دلهوم من «الحي العتيق» بالمحمدية فكانت انطلاقتنا من منزل والدته.
«متى اتسلم جثته» أريد ان ادفنه بيدي... متى تطفئون ناري... لماذا كل هذا الوقت..» أسئلة متقاطعة ومبعثرة ارسلتها عبر هاتفها الجوال تقطع مكالمتها فيعلو على صوتها صوت المقرئ عبد الباسط عبدالصمد... يمتزج خشوعها بحزنها فتساقط دموعها وتحرق وجنتيها لكن الحريق الأهم يلتهم قلبها بعد ان ثكلت «نور عينيها» محمد (24 سنة).
تعود بومضة ورائية الى تفاصيل الفاجعة تقطع صمتها وتروي ما حدث.
يوم الأحد 13 أفريل اخبرها محمد بقرار السفر الى احدى جهات الشابة... قبّلها وطلب منها ان تدعو له فاستجابت.
ظلت المكالمات الهاتفية متواصلة بينهما حتى العاشرة من ليلة الثلاثاء (قبل الماضي) وقد اخبرها في المكالمة الاخيرة بأن منظم (اومنظمي) الرحلة قرر حجز جميع الهواتف الجوالة (لأسباب أمنية) إلا واحد فقط فسجلت الرقم حتى تتبع اخبار ابنها.
الساعة الثانية والنصف من صبيحة الاربعاء رنّ هاتفها فأسرعت للردّ لكنها لم تسمع غير الضجيج قبل ان تنقطع المكالمة.
قضت بقية ساعات الفجر مضطربة، يئست من امكانية الاتصال بآخر رقم فانطلقت رحلة اتصالاتها الهاتفية بالمراكز الأمنية والبحرية ثم وردت عليها مكالمة هاتفية تخبرها بانتشال 3 جثث وتطلب منها التحول الى مستشفى فطومة بورقيبة بالمنستير للاطلاع عليها «لا مجال للخطإ... فالأم لا تخطئ في تمييز ابنها» هكذا تأكدت من وفاة محمد قبل ان تقرأ اسمها الموشوم على كتفه.
همّها الأكبر (حتى صبيحة امس) ان تتسلّم جثة ابنها لكن هلاكه لم يكن الباعث الوحيد على حزنها وتعاستها فهي لا تعرف مصير ابني عمها المفقودين في الرحلة «المشؤومة». * حتى لا يلحقا بشقيقهما
ولينا وجهتنا شطر منزل الشقيقين المفقودين خميس (39 سنة) ومراد الجلاصي (40 سنة) قادنا مسلك ثعباني بين مساكن متآكلة الجدران تفضح خصاصة اصحابها.
بلغنا منزلا يعج بالمواسين والصابرين والمصبرين تتوسطهم عجوز متسلحة بالجلد والأمل... لم تعلم بالرحلة قبل حصول الفاجعة... لم تودّع ابنيها لم تكن جثتاهما ضمن الجثث المنتشلة ولهذا فكل أملها (وأفراد عائلتها) أن يكون خميس ومراد بخير حتى لا يلحقا بشقيقهما الأكبر الذي هلك قبل سنوات في حادث مرور. على ان حال هذه الأسرة لم يكن أفضل من أسرة الجبنياني على بعد مئات من الأمتار.
سرنا عبر مسلك آخر ملتو بين أنقاض حي مزدهر (حي البايات): «هنا ذكرى أحمد باي مؤسس المحمدية... هناك قصره.. هنالك آثار الحنايا» استغل بعض مرافقي الفرصة ليعرفوا بحيهم السكني البائس (الحي العتيق) لكن قصر المسافة قطع حكايات الماضي وأعادنا الى فاجعة «الحرقان» والأعصاب المحروقة. * ثالثهما ابن عمهما
«كانت محاولته الأولى (في الحرقان)... لم يعلمني أحد بها» يتحدث سالم الجبنياني بحرقة عن ابنه المفقود محمد (22 سنة) وعن معاناته من البطالة ويستدرك «لا مبرر لتصرفه هذا... لست ضد الهجرة شريطة أن تكون قانونية».
يصطنع سالم بعض الصبر وهو يشاهد شقيقه في اضطرابه وتأزمه ولكن هل يوصي نفسه أم شقيقه بالصبر. لم نستطع التحدث الى أخيه، ما فهمناه من تصرفاته أنه لم يكن يهتم الا بخبر يقين حول مصير ابنيه (فاروق 32 سنة ورشدي 22 سنة).
ودعنا هذه الأسرة الى أخرى مجاورة لا فرق بين منزل وآخر الا بعدد المواسين والمبشرين وباثي الاشاعات.
«فشل في محاولتين سابقتين ولا نعرف مصيره في الثالثة» هكذا يتحدث عبد الرؤوف الدويري عن شقيقه عبد المنعم (27 سنة) قبل أن يضيف «أرجو أن يكون حيا، موقوفا مثلا أو مصابا في المستشفى، المهم ألا يكون قد مات غرقا» يرفض عبد الرؤوف كل الأخبار والاشاعات التي ترد عليه بين الفينة والأخرى لا يقبل غير الخبر اليقين، أن يشاهد جثة شقيقه (لا قدر الله) أو يلتقيه حيا كما يأمل، وهو بهذا يختلف مع أسرة «زرقة» التي قصدناها.
وقفنا أمام كهل يوشك على البكاء: «ليتني علمت في الوقت المناسب.. كنت قادرا على منعه.. على شد وثاقه إن لزم الأمر».
يتحدث محمد زرقة بحرقة عن ولده المفقود مالك (21 سنة) يبحث عن أعذار لتصرفه «الخاطئ»... يوجه التهمة الى البطالة والفقر ثم يحوّل المسؤولية الى نفسه ثم يعود ليبرئها «وماذا عساني ان أفعل... كنت أقتطع من لحمي لأمكنه من مصروفه اليومي».
لاحظنا انعكاسا واضحا لحالته النفسية على عباراته فهو يكاد يطير لخبر (غير مؤكد) يفيد اقامة ولده مالك في أحد مستشفيات إيطاليا (اصابته بكسر في احدى ساقيه) لكن ما يخشاه أن يكون الخبر مجرّد اشاعة.
أنهينا جولتنا في الحي العتيق بالمحمدية وجدنا أنفسنا ثانية أمام منزل الهالك محمد دلهوم باعتبار موقعه (مدخل الحي) استحضرنا مشهد أخيه الأصغر أيمن كان متأثرا كما يتأثر كل شاب لوفاة شقيقه... كان ينتظر وصول جثته كما ينتظرها أهالي كل ميت لكن ما شذّ به عن غيره أنه كان مستعدا لترك جثة أخيه قبل دفنها لو صادفته فرصة جديدة في «الحرقان». * حمادي كهل أنقذه حذاء ! «هذه نقودي لم ينقص منها مليم واحد» ردّد أمامنا هذه الكلمات عندما صادفناه في الحي العتيق في المحمدية.. «أنظر إلى هذه «الشلاكة» كانت سببا في وقوفي اليوم أمامكم».
اسمه حمادي السعيدي لاحظنا عليه الكثير من الغرابة حتى خلناه الغرابة ذاتها فعمره 54 سنة على خلاف بقية المفقودين (أغلبهم في العقد الثالث من العمر) وهو متزوج وأب لأربعة أبناء (دون البقية) أحد أبنائه «حرق» منذ 10 أشهر (يقيم حاليا في إيطاليا).
استعد حمادي للحرقان في هذه الرحلة الأخيرة ووفر متطلباتها (المقابل المالي خاصة) وقد اتصل به بعض المفقودين يوم الأحد قبل الماضي وأعلموه بأن ساعة الانطلاق نحو الشابة قد حانت فنظر إلى ما ينتعله وطلب منهم أن ينتظروه دقائق قليلة حتى يعوض «شلاكته» بحذائه فاستجابوا لطلبه لكنهم لم يمهلوه بل انصرفوا قبل عودته توقعنا أن يكون حمادي السعيدي أسعد الناس بنجاته لكنه فاجأنا بقوله: «هذه نقودي وها أنذا جاهز لأول فرصة حتى أحرق فأنا إلى اليوم متأسف لضياع الفرصة السابقة». * «الشروق» بين عائلات الغرقى والمفقودين بـ «أولاد مبروك»: الحزن يلف الجهة... وحديث عن نجاة 17 «حارقا»... * «الشروق» ـ أولاد مبروك / الشابة
وأنا في طريقي إلى أولاد مبروك التي شهدت كارثة غرق 26 شابا، كانت الأسئلة تطاردني و تنهمرعلي مع كل منعرج من المسافة الفاصلة بين صفاقس و منطقتي أولاد مبروك و ملولش من معتمدية الشابة ولاية المهدية.. المسافة تقارب الـ50 كلم أو أكثر بقليل، و الأسئلة التي حاصرتني كانت ترتفع في نسقها حتى كان وصولي مع مرافقي إلى  أولاد مبروك  أو قل القرية الساحلية الهادئة التي انطلق من شواطئها الحارقون ..
إسم المنطقة فيه الكثير من التفاؤل  والأمل، لكن الجهة لم تكن كذلك لحظة وصولنا صباح يوم أمس الخميس، فالوجوه واجمة و حائرة.. والشفاه ترتعش  تريد أن تطرح أكثر من سؤال، حتى أن وقوفي أمام المقهى الوحيد الموجود بالمكان لفت إنتباه جميع روادها من الشباب  الذين ما إن عرفوا صفتي حتى أثنوا على مجهودات «الشروق» .. أثنوا على «الشروق» لأن كل المعلومات المتعلقة بالكارثة التي شهدتها المنطقة  وانفردنا بنشرها في عدد يوم أمس مازالت تحتاج المزيد من التوضيح والأجوبة عن تساؤلات مازالت حائرة.
بداية حديثنا بمنطقة أولاد مبروك  كانت مع شاب يدعى حمادي، الشاب أبدى استعدادا تاما لمساعدتنا عله من خلالنا يفهم الحلقات المفقودة والغائبة في الموضوع.. على متن السيارة صعد معي لنتوجه إلى عائلة احدى الضحايا  البعيدة بعض الكيلومترات فقط عن  وسط المدينة، وقد استغل مرافقي المسافة ليتحدث عن شهرة منطقته بعمليات الحرقان، فلقد شهدت أولاد مبروك في السنة قبل الماضية أكثر من 17 عملية اجتياز للحدود خلسة، لكن في السنة الفارطة تراجع العدد، والتراجع لا يعني أن شباب المنطقة اتعظوا وعدلوا عن أفكارهم في  الحرقان  لكن الجهات الأمنية التونسية كثفت من جهودها للحد من تدفق المهاجرين إلى أوروبا  كما  أنها فرضت عقوبات صارمة وغرامات مالية طائلة على كل من يضبط من مشاركين ومنظمين لهذه الرحلات وهو ما قلص من عدد الحارقين. * حزن مضاعف
ككل منزل ريفي، يقع منزل الهالك الشاب حمزي بن حمادة وسط غابة كثيفة، وقد استغل المعزون ظلال أشجار الزيتون  الوافرة للجلوس في صمت كامل لا يشقه إلا  صوت قارئ قرآن ينبعث من آلة تسجيل ليطمئن النفوس الملتاعة و القلوب المحترقة..
مع شقيق الهالك صابر كانت بداية الحديث، لم يكن الشاب بحاجة إلى سؤال حتى انطلق في الكلام ليعبر عن حزنه الشديد المرفوق بقلق قاتل عن مصير جثة شقيقه  التي لم تتسلمها بعد العائلة، فالقبر جاهز، والهالك معلوم، لكن الإجراءات الطبية والأمنية لم تراع الظرف حسب محدثنا..
الحديث عن الجثة كان جوهر كلام صابر وشقيقه سمير وصهره محمد.. هم يتحدثون عن المأساة التي تضاعفت بعد أن أصيبت شقيقة الهالك بجلطة دماغية أقعدتها عن الحركة فور علمها بالكارثة التي حصدت روح شقيقها الذي لا يتجاوز الـ21 عاما ..
كنا نتحدث إليهم و نلتقط كل كلمة يقولها أحدهم، حتى وجدنا الفرصة المناسبة لنتحدث إلى والدة الهالك.. هي السيدة حبيبة التي كانت آثار   الندب  ظاهرة على وجهها  والحزن الظاهر من بين  كلماتها المتقطعة .. هي لا تعرف بل و لا تدري  ما تقول، وكل ما قالته مجرد آهات تخرج من صدر ملتاع ومحترق ..
كل ما تتذكره السيدة حبيبة هو آخر الكلمات التي قالها إبنها الفقيد حمزي قبل مغادرة المنزل .. لقد حمل معه حقيبته يوم الواقعة الأليمة و قال أمي أنا مسافر للعمل بصفاقس ... لكن بعد هذه الكلمات جاء خبر وفاته المؤلم، وقد تعرف والده على الجثة من خلال  الوشم  الموجود على يده اليمنى، بل و من خلال رائحته الزكية .. وهل تغيب رائحة الإبن على أبيه ..؟.
كما دخلنا منزل الهالك حمزي ، خرجنا منه، فلا معلومات كاملة و لا وقائع ثابتة، فكل ما تعرفه عائلته الملتاعة هو أن 26 شابا من الجهة و المناطق المجاورة و من تونس العاصمة، قد اقتنوا مركبا بحريا صغيرا  من منطقة الشابة و غادروا أولاد مبروك في سرية تامة في ذاك اليوم المشؤوم  متجهين إلى  لامبادوزا  الإيطالية محملين بالآمال.. مثقلين بالأحلام الوردية .. * أمل من وراء البحار
الجهات المعنية انتشلت 3 جثث، وبقية الحارقين  مازالوا في عداد المفقودين، بل إن إحدى العائلات كانت قد تقبلت التعازي، لكن سرعان ما وضعت نقطة نهاية للمأتم بعد أن بلغتها معلومة ضبابية تقول أن 17 شابا لم يفارقوا الحياة و ان بعضهم الآن بإيطاليا..
هذا الخبر تلقفته عائلة الطيب بن حسين و حرصت على التأكد منه للتثبت من مصير إبنها أيمن الذي لا يتجاوز الـ17 ربيعا والذي كان قد رافق المجموعة في عملية الإبحار خلسة.. وكما تلقفت العائلة الخبر، تلقفناه و تحولنا إلى منزل السيد الطيب الذي وجدناه يعج بالأصدقاء  والأهالي، بعضهم يقدم التهاني والبعض الآخر يواسي ولا أحد يعلم للحقيقة سبيلا ..
يقول الطيب.. أنا على أمل من أن إبني لم يفارق الحياة، فالجثث التي عرضت علي ليس من بينها فلذة كبدي، وقد اتصل بي بالهاتف أحد الأقارب من إيطاليا ليعلمني أن الجهات الأمنية تمكنت من إنقاذ  17 حارقا ربما يكون إبني من ضمنهم ..
عم الطيب، ينتظر الأخبار الطيبة التي قد تزف له بين اللحظة   والأخرى نجاة إبنه من هذه المأساة التي اهتزت لها المنطقة وتم اعتبارها الأسوأ في الفواجع البحرية التي شهدتها سواحلنا ..
وكما ينتظر عم الطيب.. عائلات أخرى تنتظر وتسائل الموج عله يزف إليها خبرا سعيدا و يحطم على صخوره كل الأخبار المحزنة.. * راشد شعور



Avril 2008
LMMJVSD
01 02 03 04 05 06
07 08 09 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30
<< >>