قضية بحارة المنستير: «الشروق» تنشر الاستجواب الموجه الى وزير الداخلية الايطالي

Al Chourouk - 2008-07-01
Lu 720 fois

* المنستير ـ (الشروق) :
هذه الوثيقة مهمة جدا، لثلاثة أسباب على الأقل. الاول انها نص لائحة صادرة عن مجموعة من النواب الايطاليين وتطالب باستجواب وزير الداخلية في الحكومة الايطالية، استجوابا عاجلا، لمعرفة الأسباب التي اعتقل على أساسها الامن الايطالي البحارة التونسيين السبعة وحجز المركبين الذين كانوا يعملون على متنهما.
والثاني انها تلقي المزيد من الاضواء على الخروقات القانونية التي ميزت تعامل السلطات الايطالية مع القضية بدلا من أن تجازي البحارة الذين قاموا بما يمليه عليهم القانون والواجب الانساني.
أما السبب الثالث فهو انها تحمل وزارة الداخلية المسؤولية باعتبارها سلطة الاشراف الاولى وهناك طبعا أسباب أخرى تجعل من هذه الوثيقة وثيقة ذات أهمية خاصة ولكننا لا نراها على أية حال أهم من الأسباب الثلاثة التي ذكرنا.
فما هو فحوى الوثيقة (اللائحة)؟ وما هي الخروقات والتجاوزات التي استعرضتها؟ وكيف وضع البرلمانيون الايطاليون الحكومة الايطالية في ورطة داخلية؟
بدءا قد يكون من الضروري قبل ان نجيب عن هذه الاسئلة وما قد يتناسل عنها ان نقول ان لهذ الوثيقة المهمة والتي ننفرد بنشرها قصتين الاولى اننا حصلنا عليها في حينها رغم انها وثيقة من الوثائق الداخلية لمجلس النواب بمعنى انه يفترض ان تكون سرية وألا تصل الى أيدي العامة ولكننا مع ذلك ورغم ذلك حصلنا عليها مثلما حصلنا على وثائق كثيرة هي الاخرى داخلية وذات طابع سري.
والفضل في ذلك يعود الى شبكة من المصادر فتحنا معها قنوات الاتصال منذ ان عرفت القضية بدايتها، وهي شبكة تمتد على خمس عواصم بما فيها العاصمة الايطالية وتمتد زيادة على ذلك على عدة مدن كـ «بلارمو» وصقلية بإيطاليا وباريس  و»سترازبورغ» و «نانت» بفرنسا والمنستير والمهدية بتونس. * هذه هي القصة الاولى.
وأما الثانية فهي اننا حصلنا على الوثيقة منذ مدة ولكننا ارتأينا ألا نكشف عن فحواها، ظانين ـ وبعض الظن اثم ـ ان الكشف عنه (عبر النشر) قد لا يكون في صالح بحارتنا السبعة اذ يمكن ان يؤثر على سير النظر في القضية المعروفة على أنظار محكمة «أقريجنتو» فتؤجلها المحكمة مرة وعشرات المرات الاخرى، ولو من باب رد الفعل.
أما والمحكمة كانت والحق يقال، وفية لما انتهجته منذ البداية من تأجيل مستمر وتمطيط متواصل دون مبررات وجيهة، فإننا لم نعد نرى مبررا ولم نعد نجد عذرا للامساك عن كشف فحوى هذه الوثيقة، ليطلع عليها الرأي العام الوطني والدولي عسى ان تتبدى له خروقات السلطات الايطالية على أوضح صورة سيما وان من يستعرض هذه المرة الخروقات لسنا نحن في «الشروق» ولا البحارة المعنيين ولا أهاليهم ولا اي طرف تونسي ولا حتى القوى الديمقراطية والمنظمات الحقوقية التونسية والاوروبية، وانما هم اعضاء البرلمان الايطالي مما يصح فيه القول «وشهد شاهد من أهلها».
وها قد شهد الشاهد ولم يكتف بالشهادة بل زاد فقدم الحجة على ان ايطاليا لم تخرق القوانين الدولية ذات الصلة بالملاحة البحرية، ولم تخرق الميثاق الدولي لحقوق الانسان وحسب وانما خرقت ـ وياللعجب ـ دستورها (!).
ومن هنا، من هذه الشهادة تكتسب الوثيقة أهمية أكبر، استدراج وتهديد
وبعد كل هذا، نعود لنطرح السؤال: ما هو فحوى اللائحة؟
بعب توطئة مختصرة وردت فيها إشارة الى أن الامر يتعلق باستجواب ملح ومسجل لمجلس النواب تحت عدد 00885/2 رسم «ITER» وان المعني بالاستجواب هو وزير الداخلية، بعد التوطئة نقرأ ما يلي: «في ليلة 8 أوت 2007 كان سبعة من البحارة التونسيين على متن مركبي صيد يحملان اسمي «مرتضى» و»محمد الهادي» وكانوا أبحروا من ميناء طبلبة التونسي، فعثروا على مركب مطاطي على متنه 44 مهاجرا من بينهم 11 امرأة وطفلان وكان المركب على وشك الغرق في الذراع البحري من المتوسط بين تونس و»لامبدوزا» في بحر مضطرب بقوة 4 (هكذا وردت).
وبعد اتمام عملية الانقاذ وقع ايقاف طاقم المركبين المذكورين عند وصولهم الى ميناء «لامبدوزا» بتهمة التشجيع على الهجرة السرية لأسباب مادية.
ومن وثائق المحاكمة، التي مازالت جارية يستنتج ان المهاجرين الذين تم انقاذهم هم من السودان، وارتريا، وأثيوبيا، والمغرب والطوغو، وكوستادفوريو وقد أبحروا من شاطئ (...) وان عملية الانقاذ جرت على بعد 37 ميلا من «لامبدوزا» وعلى بعد 80 ميلا من تونس في المياه الدولية.
وحسب التصريحات المسجلة على أحد رئيسي المركبين التونسيين (المقصود الرايس) ساعة الايقاف، وهي تصريحات وقع تأكيدها من قبل بعض الشهود من المنكوبين (المهاجرين غير الشرعيين) فإن أول مركب وصل الى المكان بعد تدخل المركبين التونسيين كان تابعا لحرس السواحل الايطالي وانه قد أمر المركبين «مرتضى» و»محمد الهادي» بالاقتراب من جزيرة «لامبدوزا» وذلك بعد القيام بفحص طبي لبعض المهاجرين دون ان يقع الالتجاء الى تدخل «السار» (SAR) الطبي.
ثم بادرت سلط الميناء (وبالقرب من مياه لامبدوزا) بأمر الأشخاص الذين وقع انقاذهم بالاتجاه نحو شواطئ شمال افريقيا وأفهمتهم بالاشارات انه اذا لم يمتثلوا للأمر سيقع ايقافهم.
وفي الأثناء، ونظرا لرداءة أحوال البحر وخطورة حالة المنكوبين قرر طاقم المركبين التونسيين انزال هؤلاء الأشخاص على التراب الايطالي، فكان ذلك وتم نقل بعضهم الى المستشفى من بينهم امرأتان في حالة حمل وطفلان. * مخالف للدستور
ثم تستعرض اللائحة الخروقات والتجاوزات التي ارتكبتها السلطات الايطالية.
ونقرأ في هذا السياق: «ان الفصل 54 من المجلة الجزائية الايطالية يلمح الى أن حالة الخصاصة كسبب تعفي مرتكب الهفوة من المسؤولية الجزائية عند محاولة دخول التراب الايطالي بطريقة غير شرعية وان ما يلمح اليه هذا الفصل يؤكده بصفة جلية وواضحة الفصل 12 من النص القانوني الايطالي الوحيد المتعلق بالهجرة والصادر سنة 1998، اذ ينص على أن عملية انقاذ الاشخاص والمساعدة الانسانية بالنسبة الى الأجانب لا تعتبر جريمة أو جناية لأن الضرورة تقتضي ذلك كيفما كان الأمر حتى في حالة حدوثه على التراب الايطالي.
وفوق ذلك فان من واجب الدولة تقديم يد المساعدة خلال عملية الانقاذ في البحر بالموافقة على انزال المنكوبين مع اتخاذ مواقف صارمة ضد كل من يتسبب في عرقلة هذه العملية (ربان وأفراد طاقم) وتطبيق الاجراءات القانونية في ما يخص المسافرين السريين، وفي الرواية المقدمة للقضاء من قبل السلط المعنية يبدو أنه لم يذكر أي شيء حول طلب بعض المنكوبين حق اللجوء، وكل هذا يعتبر انتهاكا للدفاع عن الحق الشخصي ضد الطرد المنصوص عليه بالفصل 33 من معاهدة جنيف.
وكل الممارسات التي نفذت تجاه مجموعة المهاجرين دون تمييز والذين لا يملكون وثائق تعريف شخصية تمثل تعديا على حق المعنيين بالأمر في الدفاع عن أنفسهم ضد الطرد الجماعي ويتعارض مع أحكام الفصلين 10 و24 من الدستور الايطالي وقواعد حقوق الإنسان المحددة في خارطة نيس لسنة 2000 وفي المعاهدة الأوروبية».
ثم نقرأ: «بتاريخ 10 سبتمبر وقع اطلاق سراح خمسة من البحارة التونسيين السبعة بينما بقي الربانان عبد الباسط الجنزري وعبد الكريم بيوض تحت الإقامة الجبرية بمكان اقامتهما مع اجبارهما على ألا يخرجا من صقلية.. وبتاريخ 21 سبتمبر ألغت محكمة بالرمو اثر تفحصها لأوراق القضية أمر الاقامة الجبرية وأمرت بإطلاق سراح الربانين فورا، مساندة بذلك وبصفة قطعية ونهائية تقارير المحاميين «مارينو ليوناردو» و»جيوكامو لاريسا» اللذين ساندا تصريحات موكليهما وأيداهما في أن ما قاما به كان عملا إنسانيا وان عملية الانقاذ كانت قانونية بما في ذلك دخولهما المياه الاقليمية الايطالية وأن هذا الدخول كان ملحّا بسبب حتمية الوضع الذي يقتضي انقاذ أرواح بشرية وضرورة اسعاف بعض الأشخاص من المهاجرين  ومن طاقمي المركبين التونسيين نظرا الى حالتهم الصحية البائسة. * رفع الحجز
بعد كل ذلك تستعرض اللائحة الأسئلة الموجهة إلى وزير الداخلية في إطار الاستجواب، وهي تسعة أسئلة، الأول منها هو: ما هي الأسباب التي بموجبها بادرت قوات الأمن الايطالي باعتراض المركبين التونسيين في عرض قناة صقلية بينما لم تبادر قط بطلب النجدة الطبية؟
والشيء المؤكد أنه لم يتم اتخاذ أية مبادرة لمساعدة أشخاص كانوا يواجهون حالات مرضية صعبة تتطلب تدخلا طبيا فوريا بالمستشفى بعد الانزال «بلامبدوزا» والسؤال الثاني هو: ماذا تنوون فعله كوزير للداخلية للمباشرة بفك الحجز المضروب على المركبين التونسيين المحجوزين إلى اليوم من طرف السلط الايطالية سيما وانهما يمثلان مورد العيش الوحيد لعائلات البحارة؟
والسؤال الثالث هو: ما هو التفاهم العملي مع تونس والذي تنامى خلال عملية الانقاذ المنفذة، وعلى أي قاعدة قانونية وقع؟
أما السؤال الرابع فهو: ما هي الاجراءات القانونية والادارية التي تنوون انجازها لتفعيل اجراء اللجوء تطبيقا للفصل 10 من الدستور الايطالي وفي الحالات التي تشابه تلك التي طرأت خلال عملية انقاذ المنكوبين من قبل البحارة التونسيين؟
ومن المعروف أن ثمانية مهاجرين ـ على الأقل ـ من الذين وقع انقاذهم هم من جنسية اريترية وسودانية وقد طلبوا حق اللجوء، وقبلت مطالبهم للنظر حسب الاجراءات المعمول بها.
الأسئلة الخمسة الأخرى لا تهم قضية البحارة بصورة مباشرة وإنما تتعلق بما تنوي الحكومة الايطالية القيام به لضمان حسن تطبيق الاتفاقيات بين العديد من الدول الأوروبية والمعمول بها في نطاق مراقبة الحدود الخارجية (Frontex) لضمان الدفاع عن الحياة البشرية وحق اللجوء وما اذا كان من المستحسن تطوير فهم الفصل 12 من النص الوحيد المتعلق بالهجرة اثر عمليات النجدة في المياه الدولية.
وهكذا، من نص الاستجواب وحده يتأكد أن السلطات الايطالية انتهكت حتى قوانينها الداخلية ودستورها وهو أعلى قانون، فما بالك بالقوانين والمعاهدات الدولية والاقليمية.
ومن النص ذاته يتأكد كذلك أن البحارة التونسيين لم يكونوا «سماسرة» هجرة سرية وانهم قاموا بعمل انساني وقانوني في الآن نفسه.
فأي عذر، إذن، يبرر تعمد محكمة «أقريجنتو» تأجيل القضية من جلسة إلى أخرى، ولا نعتقد أن الجلسة التي عقدتها عشية أمس الاثنين ستكون الجلسة النهائية؟
وأي عذر يبرر مواصلة السلطات الايطالية حجز المركبين «مرتضى» و»محمد الهادي» والزورقين المرافقين؟
نطرح السؤالين عسى أن يقتنع القضاء الإيطالي ـ الذي مازلنا نجله ونحترمه على الرغم من كل ما صدر عنه حتى الآن ـ بأن قضية البحارة التونسيين السبعة تفتقد إلى كل الأسانيد القانونية، ومن ثمة فهي قضية باطلة أصلا.
ولنا في القضية تتمة حديث سيكون ـ إن شاء اللّه ـ في عددنا القادم. * عبد الكريم سخايرية * التأشيرة... راوغتهما! * تونس (الشروق)
عندما كان عددنا الصادر يوم أمس الأول ماثلا للطباعة هاتفنا من طبلبة الأخ والصديق العزيز السيد عبد القادر نويرة المفوض من قبل المجهزين الأشقاء نويرة أصحاب المركبين المحجوزين للتنسيق مع السلط الادارية والقانونية التونسية والايطالية ومتابعة كل مستجدات القضية، ليعلمنا أنه تعذّر على «الرايس» عبد الباسط الجنزري والبحار حمزة ابراهم السفر الى «نانت» الفرنسية للمشاركة في المنتدى الدولي الثالث لحقوق الانسان.
ولما سألنا عن السبب قال ان السفارة الفرنسية رفضت الى حد اللحظة الأخيرة منحهما تأشيرة الدخول الى التراب الفرنسي على الرغم من أنهما دعيا للمشاركة في المنتدى من قبل الحكومة الفرنسية.
الصديق نويرة وإن تأسف لعدم تمكن «الرايس» الجنزري والبحار ابراهم من الحضور مباشرة والكشف أمام المشاركين في المنتدى الدولي عن القضية وما حفّ بها من ملابسات غريبة وما حفلت به من خروقات فإنه لم يخف اقتناعه بأن القضية ستحظى باهتمام واسع باعتبارها من القضايا المدرجة على جدول أعمال هذا المنتدى، ثم ان هناك منظمات دولية تبنّتها وتعهدت بطرحها على مستويات عالية. ولم ينس الأخ والصديق العزيز أن ينوّه بالموقف الشهم والنبيل الذي وقفته كل السلط الادارية والسياسية والأمنية التونسية وطنيا وجهويا ومحليا في سبيل إنصاف البحارة، مشيدا بالخصوص بالتدخلات التي قامت بها جميع هذه السلط لتذليل كل الصعوبات التي واجهها البحارة المعنيون، وملاحظا أنه تمّ تمكين «الرايس» الجنزري والبحار ابراهم من الوثائق الشخصية وجوازي السفر في وقت قياسي. * ع ـ س



Juillet 2008
LMMJVSD
01 02 03 04 05 06
07 08 09 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31
<< >>