مساعد ربّان السفينة المنكوبة لـ «الشروق»: صارعنا أمواجا كالجبال.. ومصير ابنتيّ كان بين عينيّ

Al Chourouk - 2009-04-19
Lu 592 fois

* الشروق ـ مكتب الساحل ـ أنيس الكناني:
«الحمد لله... لولا مركب الصيد الذي انقذني صحبة زملائي رياض وهيثم، لكنا نحن أيضا ضمن عداد المفقودين»...
هكذا استهل السيد رشيد شامخة حديثه معنا... كان متواجدا بمنزله بمدينة جرجيس صحبة زوجته وبنتيه، وكان المنزل يعج بالمهنئين الذين جاؤوا يباركون له النجاة...
والسيد رشيد شامخة (41 سنة) هو مساعد الربّان بالسفينة المنكوبة «يوسف» التي تعرضت للغرق مثلما ذكرنا في أعدادنا الفارطة. عندما كانت متواجدة بسواحل سوسة والمنستير الأحد الماضي وكان على متنها حسب المعطيات الرسمية 10 بحّارة، نجا منهم كل من محدثنا واثنين آخرين هما رياض الخياط (أصيل المهدية) وهيثم المنار أصيل منزل النور من ولاية المنستير،  وقد ارتأينا محاورة السيد رشيد بوصفه مساعد الربان للوقوف على حقيقة الأمر.
* ابتهال
يقول السيد رشيد: «انطلق مركبنا صباح الجمعة 10 أفريل 2009 في حدود السادسة صباحا من ميناء المنستير في رحلة البحث عن لقمة العيش وكنا على متنه 10 أشخاص من بينهم الربّان وأنا مساعده والميكانيكي (ضمن المفقودين) الى جانب 7 بحّارة، وبقينا نعمل الى حدود مساء السبت عندما تغيّرت الأحوال الجوية لتصبح الرياح قوية... حوالي 45 عقدة وكانت رياحا جنوبية شرقية... عندها اضطررنا الى رمي المرساة قرب جزيرة قوريا التي كنا نبعد عنها حوالي نصف ميل، وفي الاثناء أعلمنا القاعدة العسكرية المكلفة بحراسة الجزيرة، عبر جهازنا اللاسلكي بإرسائنا قرب الجزيرة ليكونوا على بيّنة من الأمر مثلما جرت العادة في مثل هذه الحالات، وقضينا ليلتنا نبتهل الى الله عز وجلّ...
وفي صبيحة اليوم الموالي، أي صبيحة الأحد، هدأت العاصفة قليلا وتغيّر اتجاه الريح ليصبح عكس ما كان عليه...  شماليا غربيا... يعني أنه أصبح يساعدنا على التوجه نحو شواطئ الحمامات لكن مثلما يقول المثل... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن... إذن لم نبتعد سوى 5 أو 6 أميال حتى فاجأتنا الرياح التي أصبحت قوية، عندها خيّرنا العودة أدراجنا، وكان أقرب ميناء لنا هو ميناء المنستير (حوالي 3 أميال) بينما كان ميناء سوسة يبعد عنا قرابة 7 أميال... في البداية أخذنا اتجاهنا صوب ميناء سوسة لأننا لو سلكنا طريقنا تجاه ميناء المنستير فإن الرياح ستكون جانبية وسيكون المركب عرضة للانقلاب نتيجة الأمواج العاتية... سرنا قليلا ثم قرّر المرحوم الربان التوجه نحو ميناء المنستير... كان قريبا منا... لكن خلال احدى الأمواج العالية  انقلب بنا المركب وحصل ما حصل، ومن ألطاف الله وجدت قطعة من الخشب تعلقت بها... بقيت على تلك الحالة حوالي الساعة وصارعت خلالها الأمواج الى أن اقترب مني مركب «المهدي سلام»... كان «الرايس» شاكر يخاطر بحياته وحياة من معه لانقاذناوفعلا تمكن من انقاذي رفقة زميلي رياض وهيثم... الحمد لله... سوف لن أنسى ذلك وستبقى صورة ذلك اليوم المشؤوم عالقة بذهني ما حييت»...
* فكرت في ابنتيّ
هنا توجهنا بالسؤال الى السيد رشيد حول وجود تلك الألواح الخشبية التي تمسك بها رفقة الناجين الاخرين... وكيف خطرت بباله فكرة القفز من السفينة قبل أن تنقلب بهم، بالاضافة الى الأشياء التي كانت تدور بمخيلته وقتها... فأجاب: المعروف أنه عندما يكون الانسان في صراع بين الحياة والموت تصيبه حالة من الصدمة النفسية... لكننا عشنا تلك الصدمة قبل انقلاب المركب بنا أي عندما كانت الأمواج العاتية تتقاذف مركبنا... وبصراحة فإنني كنت أفكر في تلك اللحظات في مصير ابنتيّ... الأولى لم تتجاوز الـ 3 سنوات والثانية سنها 7 أشهر فقط... لم أعش معهما أبوّتي... كنت أتخيلهما أمامي».
* مشهد مروّع
وعن السرّ في تواجد الاخشاب بجانب المركب قال السيد رشيد عندما قفزت من المركب كنت متقدما على رفاقي بمسافة بعيدة نوعا ما... وبفعل الأمواج العاتية تحطمت مؤخرة المركب وسعيت جاهدا حتى أحصل على خشبة من الحطام... كنت أقاوم الأمواج... ثم... آه لقد تذكرت... لقد شاهدت بالاضافة الى الربّان الذي كان يطفو ووجهه الى أسفل زميلي الميكانيكي أيضا يطفو فوق المياه الباردة... يا له من مشهد مؤلم... كانت الأمواج كالجبال مما جعل الربّان المنقذ السيد شاكر يصارع لمدّة زمنية فاقت الساعة حتى تمكّن في الأخير من إنقاذنا... أشكره جزيل الشكر هو وطاقمه الذين فعلوا ما بوسعهم لانقاذنا بل وسلمونا أيضا هواتفهم الجوّالة حتى نتمكن من إعلام عائلاتنا بالأمر... أشكرهم جزيل الشكر...».
* هل هو حادث شغل؟!
هكذا أنهى البحار رشيد شامخة حديثه لـ «الشروق» ليبقى باب التساؤل مشرعا على واقع البحارة وظروف عملهم... هل من حقهم الحصول على مبالغ تأمين... هل أن ما تعرضوا له يعدّ في نظر القانون حادث شغل يتعيّن جبر الأضرار التي خلفها وهي أضرار معنوية بالأساس قد لا تنفع أموال الدنيا كلّها لمحو آثارها... أسئلة... تنتظر الاجابة. * آخر لحظـــــــــــة: انتشال جثتي الربّان والميكانيكي
نجح أعوان الحرس البحري بالمنستير والمهدية أمس في العثور على جثتي ربّان السفينة المنكوبة والميكانيكي في موقعين مختلفين من سواحل المهدية والمنستير.
وحسب ما أكّده لنا أحد مصادرنا فإن أعوان الحرس البحري بالمنستير والمهدية نجحوا صباح أمس في العثور على جثة ميكانيكي السفينة المنكوبة على شاطئ المهدية (قرب أحد النزل المعروفة بالمدينة).
وبعد ساعات تم العثور على جثة ربّان السفينة في شاطئ البغدادي بالبقالطة.
وتتواصل عمليات البحث عن بقية المفقودين (5 بحارة) في اطار التنسيق بين الحرس البحري بالمنستير من جهة ونظرائهم بالمهدية من جهة أخرى.



Avril 2009
LMMJVSD
01 02 03 04 05
06 07 08 09 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30
<< >>