بعد أسبوعين من اختفاء مروان في القيروان: والده يلازم الهاتف وأمه تراقب الطريق
Al Chourouk - 2009-05-02Lu 579 fois
* القيروان ـ (الشروق):
مقعده في الفصل ظل شاغرا بعد تغيبه عن الدراسة قبل حوالي اسبوعين ووالدته افترشت عتبة المنزل ترقب عودته وتراقب الطريق التي سلكها فلذة كبدها آخر مرة وهو متجه الى المدرسة اما الوالد فظل يعبث بأزرار الهاتف الجوّال يفتش عن آخر امل ويمني النفس بصوت يصله عبر ذلك الجهاز ليخبره بأن ابنه سليم معافى وفي احسن الأحوال ان يرد عليه صوت ابنه الغائب معافى ليؤنس وحدة اشقائه الصغار ويعيد الى المنزل إشراقه ومرحه.
تغيب الطفل مروان بن عبدالوهاب بن العلمي من مواليد 1994 عن منزل والديه بحي زيتون الحمامي غرب القيروان منذ الخميس 16 افريل بعد ان غادره في اتجاه المدرسة لكنه منذ ذلك الحين لم يعد الى المنزل ولم يباشر دراسته مما أدخل الوالدين عبد الوهاب بن العلمي (44 سنة) ونعيمة المناعي (35 سنة) في دوامة الحيرة والقلق حول مصير فلذة كبدهما فوجدا نفسيهما في مهب الهواجس والمخاوف.
«الشروق» اتصلت بالوالدين الملتاعين بهدف الاستماع الى تفاصيل اختفاء التلميذ مروان على لسانيهما ومعرفة الظروف التي حفّت بحادثة الاختفاء.
مروان تلميذ مرسم بالسنة الثامنة أساسي في معهد الأغالبة بالقيروان. معروف بمواظبته على الدروس وانضباطه. طفل خجول وهادئ الى حد الانطواء على النفس.
يعيش في كنف جديه (لوالدته) اللذين يقطنان بجوار منزل والديه يبيت الليل هناك ويمضي يومه في منزل والديه ولا يتجاوز ذلك الى اي مكان عدا المدرسة.
* سرّ الاختفاء
تغير سلوك مروان فجأة بعد سهرة جمعته بعدد من اصدقائه ليلة الاربعاء 15 افريل الماضي.
تقول خالته صليحة في هذا المجال: «عندما تأخر في السهر وكانت تلك المرة الأولى في حياته اردت ان اعرف أسماء الاشخاص والمنزل الذي سهر فيه لكنه لاذ بالصمت وأحجم عن إعطاء اية تفاصيل كأنه سرّ كبير يخشى الاصداع به».
وفي صبيحة يوم الخميس 16 افريل توجه الى المدرسة وهو يتأبط محفظته بعد ان عرج على والدته كعادته كل صباح لكنه كان مختلفا هذه المرة بل على غير عادته. وذكرت الوالدة نعيمة انه اكتفى بالقول «هاني ماشي» وأقسم لوالدته انها «لن ترى وجهه ثانية».
وتقول الوالدة انها اعتبرت كلام ابنها من قبيل غضب الأطفال الذي عادة ما يكون كسحابة عابرة لكن هذه السحابة خلفت طوفانا من الدموع بعد ذلك.
* آخر كلماته
تابعت الوالدة خطوات فلذة كبدها وهو متجه الى المدرسة ولم يدر بخلدها آنذاك سوى ان مروان سيتوجه الى الدراسة كعادته كل يوم.
انتهت الحصة الصباحية كما هو معلوم على الساعة منتصف النهار وترقبت الوالدة نعيمة عودة ابنها من الدراسة بعد ان اعدت له الطعام الذي يحبه رغم شح الظروف لكن فلذة كبدها لم يعد في وقته المعتاد وتأخر في إدخال البهجة على المنزل كعادته عندها بدأ القلق يدب في قلبها فتوجهت الى احد اصدقاء ابنها وزميله في الدراسة تستفسره.
وقد اخبرها بعض زملائه انهم رأوه صباحا متجها بعيدا عن المدرسة «ذاهب للتدرب في ناد رياضي» (على حد قوله لهم).
وتقول الوالدة نعيمة وهي تذرف الدموع في حرقة «طفقت انتظر عودته وكلما مرت ساعة زادت نار الحيرة في نفسي تأججا. وعندما يئست من رجوعه اتصلت بالمدرسة فأعلموني بأنه متغيب عندها رحت أجوب الأحياء والشوارع أسأل هذا وأتفرس في وجه ذاك بحثا.. لكن بلا جدوى.
أما الوالد عبد الوهاب وهو عامل بناء فكان يومها مباشرا العمل عندما وردت مكالمة على هاتفه الجوّال تبيّن انها زوجته وقد تغيّر صوتها وهي تلقي على مسامعه خبر تغيب ابنهما عن المنزل.
نفض الوالد يديه من غبار الاسمنت والقى بما تحملان قبل ان يعود ادراجه الى المنزل دون تسلم الاجرة وهو لا يلوي على شيء. ويقول «في أول الأمر ظننت الأمر مجرد مزحة او تأخرا عاديا رغم ان مروان لم يكن يتأخر من قبل فالمعهد قريب (مائة متر). لكن عندما تأكدت من الحقيقة سرت الشكوك في نفسي كما تسري القشعريرة في سائر الجسد فجدّ في البحث (على قدميه) في عديد الأماكن حتى تلك التي لا تخطر على بال أحد ولم يستثن منها مركزا للأمن أو مستشفى او مقبرة.
كما اتصل بجميع الأقارب والمعارف في مختلف الجهات لكن لا أحد قدم له اجابة تشفي غليل حيرته.
* أين اختفى؟
يتسم مروان بشخصية انعزالية وانطوائية وهو قليل اللعب مع أترابه في الشارع ولا يلعب سوى مع اشقائه وحسب والدته وخالته فإنه تأثر بوفاة صديق عمره في حادث مرور فأصبح كثير العزلة والانزواء لا يخرج للعب الا قليلا او لمتابعة مقابلات فريقه الرياضي المفضل. وتقول الخالة ان مروان لا يعرف أحياء القيروان وأسواقها جيدا لأنه لا يخرج كثيرا.
لجأ الوالدان الى المنجمين ليس ايمانا بصدق تنجيمهم بل أمل في ان يجدا عندهم ما يطفئ لهيب القلق. وذكرا أنهما اتصلا بنحو 12 عرافا لكن جميع مزاعمهم الغيبية لم تأت بنتيجة ايجابية بقدر ما سلبتهما أموالهما الشحيحة .
أما الوالدة فتقول انها لا تصدق ان يكون قد تعرض للخطف فقد رأته يغادر المنزل بأم عينها وتقول «خرج امامي وأنا أنظر اليه ولم استطع مناداته كأن هناك من ألجم لساني» لكنني لم أكن اعتقد انها ستكون المرة الأخيرة التي أراه فيها.
بالرغم من مرور هذه الايام الطويلة الثقيلة المرة فإن أمل العائلة في استرجاع فلذة كبدها مازال كبيرا تقول الخالة صليحة «أشعر بأن مروان حي يرزق وانتظر ان يعود في أقرب وقت». أما الوالدة فذكرت ان دموعها جفت من البكاء ثم عرجت على أملها في عودة ابنها فقالت: «ابكي كل يوم وأقول سيعود ومع كل طرق على الباب أقول ان هناك من أتاني بخبر قدوم مروان».
وتضيف أنها كثيرا ما حلمت بأنه ينام بجانبها وتؤكد انها على يقين بتحقق هذا الحلم الذي يتكرر كل ليلة.
ظل الوالد عبد الوهاب يقلب هاتفه الجوال كأنما يستنطقه ليحمل اليه صوت ابنه البكر او مكالمة تدله على مكان ابنه ثم التفت الينا وقال بصوت أشج تخنقه العبرات لقد يئسنا ولم يبق لنا من أمل سوى «الشروق». لهذا يلتمس الوالدان من كل من يتعرف الى صورة ابنهما ان يتصل بهما عن طريق «الشروق» حتى يسترجعا طعم الحياة.
* متابعة ناجح الزغدودي