مستشفى يطالب بتبادل رضيعين... والمحكمة الادارية توقف المأساة
Al Chourouk - 2009-05-19Lu 561 fois
* تونس ـ «الشروق»
ساعات من القلق والبكاء... امتزجت فيها الدموع بالحيرة والضياع... والأم النفساء تضم صغيرتها ذات الأيام الأربعة إلى صدرها... ترويها لبنها... مفزوعة من قرار إدارة المستشفى بتوديعها إلى الأبد... كيف يحدث هذا؟ وقلبها يخفق إلى تلك الرضيعة التي لم تفتح عينيها بعد إلى الدنيا... في كل لحظة... وفي كل ساعة يلتحم جسدها بها... صرخت الأم النفساء في داخلها وولولت في صمت اهتز له جسدها المرهق من عملية الولادة بعد ساعات من المخاض... لتأتي ر ضيعتها الأولى إلى الدنيا... كيف لها بعد أن عشقتها بكل ذاك الجنون... أن يطالبها المستشفى بترك تلك الطفلة... وابعادها عن صدرها واعادتها إلى إدارة المستشفى بغرض استبدالها بمولود آخر ذكر بتعلة وجود خطإ عند تسليم الرضيعين إلى أمهما...
لم يكن ذاك القرار الاداري الالزامي بانتزاع الرضيعة من والدتها بالأمر الهيّن... فقد كان القرار يتساوى يومها بالفاجعة الكبرى.
بكت الأم لكن الأب لم يبك... عامل البناء البسيط تزود بالصبر والايمان في صبيحة ذاك اليوم الأحد 10 ماي وتوجه الى مقر المحكمة الادارية بالعاصمة... طرق الأبواب... وألقى بثقل همومه أمام القاضي المكلف بحصة الاستمرار... حيث جلست الدا ئرة الابتدائية ـ الثالثة استعجاليا في ذات اليوم وأصدرت قرارها باجراء التحاليل الجينية على الطفلين المولوديون يوم 6 ماي 2009 كما قرر الرئيس الأول للمحكمة الادارية في ذات اليوم الأحد تأجيل تنفيذ القرار الصادر عن مدير المستشفى الجهوي ببن عروس إلى حين البت في مطلب ايقاف التنفيذ والاذن بتنفيذ القرار على المسودة... وفورا.
وصدر تقرير الاختبار الجيني على الرضيعين يوم الخميس المنقضي من معهد باستور والذي جاء فيه أنه لا يوجد خطأ في تسليم الرضيعين وأن الرضيعة الأنثى هي ابنة للأم التي أرضعتها ولعامل البناء، وأن الرضيع الذكر هو ابن للمرأة الثانية ... وأمكن بذلك انقاذ عائلتين من مأساة كادت أن تؤدي إلى نتائج قد يصعب تداركها...
فكيف حدث الخطأ... خطأ في وجود خطإ... وكيف أنقذ قرار المحكمة الادرية القاضي بايقاف قرار ادارى مصير طفلين رضيعين؟...
«الشروق» تابعت الملف من أوله إلى يائه من تاريخ بلوغ رسالة القرار الاداري الاستعجالي والالزامي إلى يد السيد «ع» إلى حين عودته إلى بيته محملا برضيعته بقرار نهائي أيضا وبقرار اختبار جيني يؤكد أن الرضيعة «رنيم» هي ابنته ومن صلبه وأن قرار المستشفى كان خطأ.
ولادة وبعد
انتابت آلام المخاض السيدة «م» فاستقبلها المستشفى الجهوي ببن عروس حيث وضعت يوم الاربعاء ماي 2009 طفلة اسمتها «رنيم»... لم يكن نوع المولود صدفة للسيدة «م» فطيلة شهور الحمل أكد لها طبيبها المباشر أن الجنين الذي في بطنها هو أنثى... فرحت «م» وزوجها «ع» بمولودهما الأول... وبقيت الأم النفساء بالمستشفى في انتظار أن تتعافى وتتحسن صحتها... وطيلة تلك الأيام الأربعة... أرضعت صغيرتها وضمتها إلى صدرها في شوق كبير... لكن يوم الأحد 10 ماي 2009 حدثت الفاجعة حىن تلقى الأب «ع» رسالة من المستشفى... لم تكن رسالة فحسب بل كانت قرارا صادرا عن مدير المستشفى يقضي بانتزاع ابنته المولودة الجديدة منه ومن زوجته ـ بغرض استبدالها بمولود آخر ذكر أخذته امرأة أخرى بتعلة أن هناك خطأ حصل عند تسليم المولودين لأمهما...
الإيـــمان
لم يسكت الأب إذ صرح لـ»الشروق» : «تسلحت بالايمان وبالصبر... كنت متأكدا أنها ابنتي... حنيني لها كان لا يوصف... وأنا أضمها الى صدرى كنت أعرف أن ما ستضعه زوجتي باذن الله أنثى...صدمت في ذاك الصباح واستشرت محامية فنصحتني... حملت ذاك القرار الفاجعة واتجهت الى مقر المحكمة الادارية وطرقت الباب وأصررت على مقابلة السيد القاضي... سلمته القرار وسلمته صور الأشعة والتشخيص بالصدى... ورجوته أن ينصفني والحمد لله... أنصفني الحق
الاختبار الجيني فورا
في ذات اليوم الأحد 10 ماي اجتمعت الدائرة الابتدا ئية الثالثة واطلعت على مطلب السيد «ع» والذي تضمن ما أعلم به طبيب المستشفى الزوجين من كون مولودهما هو أنثى علاوة على أن الأم شرعت في ارضاعها. وبعد اطلاعها على القانون عدد 40 لسنة 72 المؤرخ في غرة جوان 72 والمتعلق بالمحكمة الإدارية وعلى جميع الفصول القانونية المتممة له رأت الدائرة المختصة أن المطلب المقدم لها يستند إلى حالة من حالات التأكد القصوى على معنى الفصل 81 من القانون الأساسي عدد 7 لسنة 2008 والهادف إلى توفير وسائل اثبات نسب المولودة الى والديها وأذنت الدائرة استعجاليا لمدير المستشفى الجهوي ببن عروس باجراء التحليل الجيني فورا على الطفلين الرضيعين المشكوك في انتسابهما والاذن كذلك بالتنفيذ على المسودة.
ايقاف التنفيذ
في ذات اليوم الأحد 10 ماي وطبقا لما ينص عليه الفصل 40 من قانون المحكمة الادارية على أنه يمكن للرئيس الأول في صورة التأكد أن يأذن بتأجيل تنفيذ المقرر المطعون فيه إلى حين البت في مطلب توقيف التنفيذ وفي صورة شديدة التأكد يجوز للرئيس الأول أن يأذن بايقاف التنفيذ طبقا للمسودة وفعلا قرر الرئيس الأول للمحكمة الادارية بتأجيل تنفيذ القرار الصادر عن مدير المستشفى الجهوي القاضي بأخذ المولودة الجديدة من السيدة «م» لتسليمها لامرأة أخرى واستبدالها بمولود ذكر وذلك الى حين البت في مطلب ايقاف التنفيذ... ووجهت نسخة من ذاك القرار الى كل الأطراف.
الاختبار الجيني
وبعد يوم واحد فقط تم اخضاع الرضيعين الى التحليل الجيني (أ.د.ن)جاءت تقارير الاختبار الصادرة عن معهد باستور يومي الخميس 14 ماي لتؤكد أن لا خطأ حدث في المستشفى وأن الرضيعة «رنيم» ابنة الأيام الأربعة هي فعلا ابنة السيد «ع» وزوجته «م» وأن الرضيع الثاني الذكر هو من صلب والده وأمه التي أرضعته...
وهكذا ساهم القضاء الذي استقبل مواطنا بسيطا يوم الأحد واستمع اليه الى الحيلولة دون وقوع صدمة حقيقية ولو وقع تبديل الرضيعين الى حين البت في قضية عادية...
القضاء أنصفني
... السيد «ع» كان سعيدا بكونه عاد برضيعته الى بيته : «الحمد لله لديّ الحجة والبرهان إنها طفلتي ومن كبدي وأنا لا أريد شيئا يكفيني أن القضاء وقف الى جانبي حيث طرقت بابه صبيحة ذاك الأحد ... وتركنا السيد «ع» ليعود إلى حضيرة البناء حيث يعمل ويكافح من أجل الحياة...
* سميرة الخياري كشو