فاعل خير اكتشف حقيقته بناء على مقال «الشروق»: عودة الإبن الضال الى أسرته في القيروان
Al Chourouk - 2009-05-21Lu 679 fois
* القيروان ـ الشروق :
داخل المنزل كانت بعض الكتب مهملة على احدى الطاولات وبالقرب منها منسج لصناعة الزربية توقفت يدا ناسجته عند خط داكن بينما كانت بقية الزوايا مهملة والأواني مبعثرة... وفجأة بدأ الجيران يتقاطرون الواحد تلو الآخر فرادى وجماعات أمام هذا المنزل الكئيب. لحظات من الترقب ملأت فراغها عديد التساؤلات وبين هذا وذاك كانت الوالدة تتلقى التهاني.
... أخيرا حل ركب «المنتظر» وعج المنزل بأدفاق المهنئين فانفجرت العبرات تعقبها الزغاريد. هذه المرة هي دموع الفرح التي ذرفها الوالدان بعد شهر من الاحزان والمتاعب.
فقد عاد الطفل مروان (16 سنة) الى حضن والديه نعيمة وعبد الوهاب مساء الثلاثاء فحول المنزل المتواضع من حالة الصمت والكآبة الى ميدان للرقص والتهاني والمرح.
«الشروق» التي كانت نشرت خبر اختفاء الطفل مروان قبل عشرة أيام كانت حاضرة أثناء استقباله وتابعت عن كثب الدموع والزغاريد والبهجة.
السيد عبد الوهاب بالعلمي والد مروان شدد في البداية على شكر «الشروق» التي كانت نشرت تحقيقا حول قصة اختفاء مروان لكن تبين انه غادر المنزل بمحض ارادته وأكد فرحته بعودة ابنه بعد غياب اكثر من شهر ويرى ان ابنه «ولد من جديد».
دائما... دموع
الوالد الذي لم نظفر معه الا بلقاء وجيز بسبب تهاطل الأقارب والجيران للتهاني وبسبب انشغاله بالرقص فرحا ذكر انه بحث في كل شبر من الارض في أكثر من ولاية ومعتمدية واستقل جميع الوسائل من الدراجة الى السيارة الى القدمين التي قطع عليهما عشرات الاميال حسب قوله كما أهمل الطعام والشراب وأدمن التفكير. المنجمون (... ولو صدقوا) دفعه اليأس الى الاستعانة بهم. ويقول السيد عبد الوهاب بالخصوص انه اتصل بأحد المنجمين يوم فقدان ابنه وأخبره الاخير انه سيعثر على ابنه من الغد لكن كذب المنجم... ومضى أكثر من شهر على غيابه الى ان «أرسله الله الي» حسب تعبيره.
أما الوالدة نعيمة التي كانت تحتضن ابنها وتقبله فكانت غير مصدقة انه في حضنها ولم تستوعب غيابه شهرا كاملا وعودته فجأة فكانت بالنسبة اليها بمثابة الصدمة. وتقول الوالدة انها أهملت كل شيء : أبناءها وقضاء شؤون منزلها ونفسها وهجرت المأكل والمشرب كما هجر عينيها الكرى. «نعم أنا شديدة الفرح بعودة ابني لكني لا أصدق عودته»، بهذه العبارات غصت العبرات في مقلتي نعيمة ولم تقطعها الا تهاني الجيران بعودة ابنها.
رحلة معاناة
أين ذهب كيف سافر أين وجدوه ماذا فعل هل تعرض لمكروه... قائمة طويلة من الاسئلة تلقاها والدا مروان وعن تفاصيل الرحلة حدثنا مروان.
يوم مغادرته المنزل كان غاضبا من نتائجه المدرسية فقرر ان يعول على نفسه ويساعد والديه بتحقيق مدخول من العمل فكان قراره الثاني ان يغادر القيروان شأنه شأن الكبار بهدف العثور على شغل يلائم حجم جسده النحيل. مسافة طويلة من القيروان الى تونس العاصمة تمكن مروان من قطعها بالاستعانة بشاحنة نقل ثقيلة أقلته مجانا وهو الذي لم يكن يحمل مليما او وثيقة. وفي تونس العاصمة أمضى مروان شهرا كاملا من المرارة والمتاعب والجوع والعراء كان يلتحف الارض ويفترش السماء ويبيت في المحطات، وذكر مروان انه كان ينام على الاسفلت ولا يأكل الا اللمم وما عفت عنه «الأيادي الكريمة».
كانت تبدو على يده اليسرى آثار آلة حادة فقال ان عددا من الأطفال اعترضوا سبيله وعنفوه قبل ان يتمكن من الفرار.
سألنا مروان ان كان حاول الاتصال بوالديه فأكد انه لم يكن يملك نقودا ولهذا فقد كان يطلب من المارة تمكينه من اجراء مكالمة لكنهم كانوا يمتنعون ويرشدونه الى «التاكسيفون» وهو لا يملك مليما واحدا وكان يريد العمل لكنه لا يملك اي وثيقة هوية.
سألنا مروان ان كان يفكر في معاودة مغادرة منزل والديه فقال: «كانت أياما صعبة ولا يمكن تحملها ولن أعيد الكرة. نعم اعتقد ان والدي أصابهما العنت من أجلي» بهذه الجملة اختتم مروان شهرا من «التشرد» ولكن كيف تم الوصول الى مروان؟
بين القيروان و»المجاز»
رن جرس هاتف الخالة صليحة (30 عاما) فلم تتعرف الى الرقم الجديد. رفعت السماعة فجاءها صوت رجل يقول ان ابن شقيقتها مروان الذي اختفى عن المنزل منذ شهر يقيم معه. لم تصدق الخالة ما سمعت فأرادت التأكد بطلب التحدث الى الطفل عندها تغير كل شيء، اي أرض تقل الخالة واي سماء تظلها بعد تأكدها من ان الصوت الوارد هو صوت طفل أمضى والداه شهرا صعبا في البحث عنه دون جدوى. وذكرت صليحة انها اتصلت على الفور بشقيقتها وزوجها الذي أغمي عليه حال سماعه صوت ابنه عبر الهاتف وسافر مع الخالة على جناح السرعة الى المكان المذكور.
«في أحد حقول مجاز الباب» كان مروان قد حل ضيفا على صاحب المزرعة الذي وظفه في بعض الاعمال الفلاحية الخفيفة بسبب اصرار مروان على كسب قوته بيده والتعويل على الذات ومساعدة الوالدين.
وقد ذكر الرجل (فاعل الخير) ان مروان جاءه من العاصمة صحبة رجل معوق ادعى انه والده وأعربا له عن رغبتهما في العمل غير انه تفطن بفضل يقظته واطلاعه على المقال الذي نشر فيه خبر الاختفاء الى وجود سر في قصة مروان فقرر الاتصال بخالته بعد حصوله على رقم هاتفها.
وذكر الوالد عبد الوهاب انه تولى إعلام أعوان الحرس الوطني حتى يتولوا ختم الملف بعد ان تم نشر بطاقة تفتيش في شأن اختفائه.
طيلة المسافة الفاصلة بين مجاز الباب والقيروان (نحو 200 كلم) كانت الأم تتصل بزوجها وتعاود الاتصال به طلبا للتحقق من وجود ابنها هناك ليطمئن قلبها بعد قائمة المكالمات التي تلقوها من مختلف الجهات في ذات الاطار وعودة مروان الى منزل والديه كانت بمثابة العرس الحقيقي فسرعان ما تجمع الأصدقاء والجيران وانطلقت الأنغام والايقاعات الراقصة وشرب الجميع المشروبات الغازية.
مروان سألناه عن سبب مغادرته المنزل فقال ان ذلك بهدف مساعدة والديه على مواجهة انفاقات الأسرة امام بطالة الوالد (عامل يومي) وضعف مدخوله. وبخصوص الدراسة أكد مروان ان ضعف نتائجه جعله يقرر الالتحاق بالمدرسة التقنية او التكوين المهني مع امكانية ان يباشر مروان دراسته والعودة الى كراساته وزملائه في التعليم. وقد وعد مروان بعدم تكرار الامر بعد ان تأكد له قلق والديه وقال انه يخير اللعب مع أشقائه على تكرار التجربة.
* متابعة ناجح الزغدودي