في حي التبان ـ القيروان: اجتمعا على العمى وتزوجا ولم ير أحدهما... الآخر!

Al Chourouk - 2009-05-30
Lu 1152 fois

* القيروان ـ «الشروق»:
كانت ترشد زوجها البصير الى موضع جلوسه امام المنزل بينما كان يتعثر بسبب عدم قدرة ساقيه على حمله. اطمأنت لجلوسه ثم انتحت جانبا من المقعد بقربه وطفقت تحادثه لم يكن حالها أفضل منه فهي كفيفة مثله.
هي قصة حياة كفيفين يتقاسمان ألوان الظلام ويدفعان غوائل الزمان. التقيا وتزوجا دون ان يرى أحدهما الآخر.
«الشروق» اتصلت بالزوجين في محل اقامتهما بحي التبان جنوب القيروان ووقفت على تفاصيل حياتهما في ظل الإعاقة كما رصدت تجربتهما في مقارعة الظلام.
في أحد أحياء منطقة البورجي (جنوب القيروان) والتي شملتها المشاريع الرئاسية للنهوض بالأحياء الشعبية، يقع في أحد الشوارع منزل الزوجين. سرنا فوق المسلك الترابي عبر أنهج متعرجة تنتهي ببعض المنازل المتفرقة لم يمنع سوء تنظيمها وعشوائية البناء فيها من تمتع سكانها بخدمات الكهرباء والماء في انتظار باقي الخدمات.
السيد الهادي المسعودي من مواليد 24 أوت 1954 والسيدة زهو ثابتي من مواليد 14 نوفمبر 1950 . زوجان غير عاديين جمعهما فقدان البصر لكنهما اختلفا في الأسباب.
فقد الهادي بصره في ريعان شبابه اثر حادث مرور سلبه نعمة البصر وأورثه العجز. وبخصوص هذا الحادث اعترف بأنه كان المتسبب لإفراطه في السرعة ولم يكن فقدان البصر نتيجتها الوحيدة فقد أثرت إصابة الحادث في دماغه وأصبح يعجز عن التحكم في أطرافه كما أصبح نطقه ثقيلا.
اما زوجته فلم تر نور الكون حين ولادتها بتاتا وترعرعت وهي تتلمس طريقها في الوصول الى حضن امها شأنها شأن شقيقين آخرين.
لم يكن هينا على السيد الهادي ان يتقبل حرمانه من النور الإلهي بقية حياته فكانت صدمة كبرى له لازمته وألزمته زوايا الظلام. ويروي لنا أنه حظي بمساعدة الهياكل الاجتماعية واحتضنته احدى المؤسسات أملا في تأهيله في احد اختصاصات التكوين المهني لكنه لم يفلح بسبب عدم تقبله لفقدانه البصر فعاش العزلة.
الربيع الوحيد الذي رآه الهادي هو يوم عثوره على زوجة تشاركه هموم الحياة بعد الإعاقة. فكانت السيدة زهو الزوجة التي ستؤنس وحدته طوال حياته وتننير ظلمته لكنها كانت «بصيرة» مثله. ولتلك الحكاية فصولا أخرى.
أسس الكفيفان أسرة (من 3 أبناء) ومن حسن الحظ ولطف القدر أنهم ولدوا سالمين. تدخل الأقارب حينها وتعاضدت جهود المسؤولين لمساعدة الكفيفين مما مكنهما من بناء منزل (متواضع) لكن المساعدات بدأت تنضب من كرماء الأمس.
وعجز الأبناء عن مواصلة دراستهم فانقطعوا في بداية الطريق رغم استعدادهم الذهني وحبهم للدراسة.
تقول نجاح (18 عاما) إن حاجة والديها لرعاية مباشرة ولصيقة دفعتها الى الانقطاع عن الدراسة رغم معدلاتها الحسنة.
زهو لم تقهرها الإعاقة وقسوة الظروف ولم تثنها عن الخروج للعمل، البداية كانت في مركز المكفوفين. وعندما أغلق المركز اصبحت تتردد على المنازل علها تفوز بعمل كمعينة منزلية تغسل ثياب هذا وتطبخ لذاك مقابل هبة.
كانت تتحدث وتدقق الوصف كأنها تبصر الى العالم. وزاد تعجبنا بما روت من أقاصيص وروت كيف تعرفت على أبنائها عند ولادتهم في المستشفى وتقول ان ممرضة أرادت مداعبتها فقدمت لها مولودا آخر غير ابنها لتختبر فراستها وقدرة بقية الحواس على التمييز بعد فقدان البصر فلم يعسر على السيدة الكفيفة التعرف الى ابنها وتمييزه.
تتمتع السيدة زهو بمنحة عائلية تقدر بـ 160 دينارا كل ثلاثية (الزوج ليست لديه منحة) كما تحصلت على بطاقة معوق وبطاقة علاج مجاني دون زوجها أيضا.
وحظيت هي وأسرتها بزيارة المسؤولين ومساعدتهم على التكفل بدراسة الأبناء ومساعدتهم وكلها مساعدات يشكرون السلط الجهوية عليها.
الا ان مساعدات الإعاشة توقفت فجأة قبل سنوات وحجة المسؤولين أنه لديهما منزل، ردت عليها السيدة زهو بالتساؤل و»هل المنزل يطعمنا ويكسونا؟».
وتحدثت زهو عن فواتير الكهرباء والماء فأكدت أن «أولاد الحلال» من المعارف والأقارب يستضيفونها ويتولون خلاص الفواتير.
هذه الظروف دفعت السيدة زهو (الكفيفة) للبحث عن عمل (معينة منزلية) تصطحب ابنتها كل يوم أحد لمساعدة احدى السيدات في الغسيل وتؤكد انها بارعة في الغسيل اليدوي رغم الإعاقة.
النور... والعلاج
لم تسخط السيدة زهو على قدرها وتؤكد انها تحمد الله على انها سليمة الجسم وتقول «على الأقل بإمكاني التحرك والعمل بل إني «أرى» نفسي سليمة مثل الباقين» مؤكدة ان العمى هو عمى البصيرة وليس عمى البصر. هذا ما تحدث به نفسها امام الناس لكن عندما تختلي بنفسها في احدى زوايا البيت المظلم وتنظر الى ما بداخلها وتستحضر طفولة الحرمان والعذاب تتغيّر نفسيتها وتتمنى ان ترى النور شأنها شأن زوجها الهادي.
هذه الأمنية عبّرت عنها ابنتهما حنان (18 عاما) التي رجت الله ان يستعيد والداها بصرهما ولو ليوم واحد او لساعة ليشاهداها وهي تكبر امامهما حتى يتمكنا من حمايتها ورعايتها.
ترقرقت مقلتا الوالد الهادي بالدموع وشرعت والدتها في البكاء. وعندما سألناهما عن السبب أكدا ان كلام ابنتهما اثر فيهما.
وتقول السيدة زهو انها تتمنى رؤية الكون مؤكدة ان نعمة البصر لا تضاهى كما تمنى الوالد ان يستعيد نور بصره المسلوب.
هل ذلك ممكن سألنا الزوجين فأكدا ان الأمر رهن عملية جراحية لكل منهما وعد الأطباء بنجاحها في تونس متى توفرت الاموال اللازمة فقرنيتا الوالد سليمة ولذلك فالعملية الجراحية غير معقدة.
أما السيدة زهو فالأمر يحتاج الى عملية جراحية لسحب الدم المتجمد في عينيها.
لم تفقد هذه الاسرة الأمل في توفير المصاريف اللازمة لعلاج الأبوين لكن حلمها العاجل عثور الابن البكر على موطن شغل او مساعدة شقيقته على بعث مشروع لصناعة الحلويات التقليدية والمرطبات حتى تتمكن من الانفاق على والديها امام عجز شقيقها عن العمل اليدوي بسبب حساسية جلدية. * متابعة: ناجح الزغدودي



Mai 2009
LMMJVSD
01 02 03
04 05 06 07 08 09 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30 31
<< >>