فــي باجـــة: هلك غرقا وهو ينقذ شقيقته الصغـرى

Al Chourouk - 2009-08-14
Lu 720 fois

* باجة ـ الشروق :
رغم مرور أيام على هلاك ابنه غرقا لا يزال توفيق يجلس على نفس الكرسيّ قبالة منزله، يجالس العشرات من الأقرباء والجيران ويستقبل بنفس الألم عشرات الوافدين والعابرين من المعزّّين ويتقبل عشرات المكالمات الهاتفية لمن تعذّر عليهم الحضور فاختاروا الجوال للقيام بواجب التعزية.
هذا ما لفت انتباهنا ونحن ندخل سوق «باب الجنائز» (أشهر سوق بمدينة باجة) ثم انعرج الى اليسار لبضع الامتار حتى نصل الى منزل السيد توفيق زيتون.
وبعدد الوالدين والجالسين والمكالمات الهاتفية فهمنا وقدّرنا حجم المصيبة التي حلت مؤخرا بالسيد توفيق فمع أول رحلة له هذه الصائفة الى البحر سافر الى طبرقة رفقة اربعة من افراد عائلته صباحا ليعود مساء مع ثلاثة فقط بعد ان ابتلع البحر ابنه أشرف وهو الشقيق الوحيد لبنتيه فرح وتقوى.
الواقعة
صمت السيد توفيق قليلا وتنهد طويلا ثم حدثنا عن الواقعة مفيدا بأنه ترك زوجته على رمال شاطئ «بركوكش» بطبرقة وترك أبناءه الثلاثة وسط البحر ينعمون بالسباحة وراح يتسوّغ بعض الكراسي... عاد حيث ترك افراد عائلته ففهم ان المصيبة قد حلت به وان حديث المصطافين عن غريق وهو يسلك طريق العودة انما كان حديثا عن ابنه اشرف...لم يجد توفيق الوقت الكافي للسؤال عما حدث بالضبط ليجد نفسه بين مستشفى طبرقة ومركز الحرس البحري بنفس المدينة يستخرج وثائق وفاة ابنه ويقوم بإجراءات نقل الجثة لدفنها بمدينة باجة.
أخي مات شهيدا
محدثنا السيد توفيق لا يملك تفاصيل غرق ابنه في البحر وفهم اننا نريد تفاصيل الواقعة فترك كرسيه ودعانا لمرافقته الى داخل المنزل أين كان المشهد شبيها بما هو خارج المنزل فالمعزيات من الاهل والجيران يجالسن والدة أشرف وشقيقتيه... دخلنا قاعة الجلوس التي تحافظ على ترتيبها رغم المصيبة.. وهناك جالسنا فرح وتقوى وأمهما السيدة ليلى فرح ابنة الـ13 سنة وتلميذة الثامنة أساسي بدت في البداية هادئة وهي تحدثنا عن دخولها الى البحر رفقة تقوى وشقيقهما اشرف وشروع الثلاثة في السباحة واللعب بالماء قبل قدوم موجة بحر أولى غمرت المياه خلالها ثلاثتهم فكان في الامر شيء من المتعة...ثم قدمت موجة ثانية أضخم وأقوى فتوقفت اللعبة وزالت المتعة لأن الموجة المذكورة جرفت فرح وأبعدتها عن تقوى وأشرف...وتقول فرح: «بعد ان غمرتنا المياه أحسست بدوران في رأسي ثم فقدت الوعي تماما ولم استعده الا عند صياح وبكاء أفراد عائلتي وهم يحدثونني عن موت شقيقي أشرف غرقا وهو يحاول انقاذي من الغرق فأيقنت ان أخي قد مات شهيدا وهنا تتوقف محدثنا الصغيرة عن الكلام ويتوقف معه الهدوء المذكور لتدخل فرح في موجة من البكاء المرفوق بالشهيق.
لعبة الموت
عادت فرح الى الهدوء... فأخذت عنها تقوى الحديث وهي تلميذة بالثالثة ثانوي كانت أكثر دقة في الوصف فلا الموجة الاولى ولا الثانية أفقداها وعيها ولا حتى مشاهدة شقيقها يسير رويدا رويدا نحو نهايته تحدثت تقوى عن الواقعة فقالت: كان أخي يجيد السباحة ولما انفصلت عنا فرح وجرفتها المياه بعيدا لحق بها اشرف.. حاول وضعها على ظهره والعودة بها الى الشاطئ لكنه لم يفلح.. كنت أصيح وأنادي والدتي فلوحت لنا بيدها وكأنها تدعونا الى مزيد من الاستمتاع بمياه البحر والسباحة فهي لم تفهم ان في الامر مصيبة... بقيت فرح تطفو على سطح الماء غائبة عن الوعي تماما ونال الاعياء من شقيقي أشرف فشاهدته يشرب الماء ويرجعه الى ان اختفى نهائي عن انظاري وانظار من كانوا حولي، دخلت في موجة من الصياح والاستغاثة الى حين قدوم منقذين وشباب ممن يجيدون السباحة وقلوبهم عامرة بالخير وتعاونوا جميعا على اخراج شقيقتي فرح التي تلقت الاسعافات فاستيقظت ثم أخرجوا شقيقي أشرف الذي فارق الحياة الى الابد رغم كل المحاولات.
هكذا كانت نهاية اشرف الولد الوحيد في العائلة.. أشرف البالغ من العمر 19 سنة فشل مؤخرا في امتحانان الباكالوريا بدورتيها ونجح مؤخرا في انقاذ شقيقته فرح من الغرق فغرق بدلا عنها محولا كل أفراح العائلة الى أحزان، ا& وحده يعلم متى ستزول.
أثر الصدمة
آثار الصدمة كانت بادية بوضوح على ملامح السيدة ليلى والدة أشرف فهي لم تنطق ولو بكلمة واحدة طيلة «الريبورتاج» ولم يحدثنا احد عن خروجها عن المألوف في تعبيرها عن عظمة المصيبة التي حلت بها... لنفهم ان صمتها انما كان علامة رضاء بما قدّر به ا& مادامت السيدة قد تزينت بعلامات التقوى والايمان وهي تفارق فلذة كبدها الى الابد... السيدة ليلى وحسبما حدثنا به زوجها توفيق لم تكن موافقة على هذه الرحلة والذهاب الى البحر هذه الصائفة خاصة وان الصيف قد مضى منه الكثير ورمضان على الابواب.
اقتنيت «عجلا» لنجاحه
غادرنا غرفة الجلوس وعدنا ثانية الى مجالسة توفيق والمعزين امام المنزل وبعد ان فاجأ أحد الجالسين الجميع بأنه تمنى نهاية كالتي شهدها أشرف، قال والده إنه اختار بنفسه موقع السباحة بعيدا نسبيا عن بقية المصطافين بنفس الشاطئ.
وهنا عاد توفيق يحدثنا عن قضاء ا& وقدره بإيمان خفف كثيرا من وطأة المصيبة ووسط بحر الحزن الذي يسبح فيه الجميع أرسل توفيق ابتسامة خفيفة لا علاقة لها بالفرح وتناسى المصيبة قائلا: «كنت قد دفعت الى احد الفلاحين مبلغا ماليا لاقتناء عجل على أن أذبحه بمناسبة نجاح أشرف في الباكالوريا لكن الاقدار حالت دون هذا النجاح... وقد عدت مؤخرا الى نفس الفلاح وأتممت نفس الصفقة ولكن لأذبح نفس العجل لفراق أشرف. * إيهاب النفزي



Aôut 2009
LMMJVSD
01 02
03 04 05 06 07 08 09
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31
<< >>