جرائم رمضانية: حبوب للهلوسة... قمار... وتحيّل وسمسرة في الأسواق!!
Al Chourouk - 2009-08-25Lu 1027 fois
* تونس ـ الشروق:
لا يغيّر شهر رمضان من السلوك اليومي للناس فحسب بل يغيّر حتى في نوعية الجرائم المرتكبة، اذ تتغيّر البنية «الإجرامية» مؤقتا، لتقترن أكثر بالجيمة الاقتصادية منها بالجريمة الماسة بالجسد بشكل مباشر.
يمكن أن نلاحظ، تراوحا بين «السلوك الرمضاني» من ناحية وسلوك قيمي مرتبط بما قبل رمضان، وتسجل العديد من المحاكم، وخاصة محكمة تونس، خلال شهر رمضان جرائم مرتبطة بالتحيل والغش في البضائع والعديد من الجرائم المرتبطة بالسوق مثل الترفيع في الأسعار بشكل غير قانوني أو عدم اشهار أسعار البضاعة، أو الغش في النوعية وخاصة في المواد الغذائية والحلويات.
كما تكثر جرائم الاحتكار، اذ يتعمّد عدد من التجار احتكار خاصة مادة الحليب والبيض وبعض أنواع الخضروات، وهو ما يمثل بالنسبة الى القانون التونسي جريمة اقتصادية.
المخدّرات تعوض الخمر
تجدر الإشارة أيضا الى تنامي ظـاهرة القمار خلال شهر رمضان، وهي ظاهرة اكتسحت العديد من المقاهي، خاصة خلال الليل، وقد تمت في مناسبات سابقة احالة عدد من المتهمين أمام الدوائر الجناحية بالمحكمة الابتدائية بتونس، وأمام عدم وجود نقاط لبيع الخمور، لمنعها خلال شهر رمضان، فإن العديد من الأشخاص «ينزحون» الى استهلاك بعض المواد المخدّرة، وخاصة «الزطلة» كما يلجأ البعض الى الأقراص المخدرة، وهم عادة من الأشخاص المصابين بأمراض عصبية ويحصلون على تلك الأقراص بشهادات طبية، الى بيع الحبّة الواحدة بسعر يتراوح من دينار الى خمسة دنانير حسب نوعية الدواء وحسب درجة الهلوسة.
وقد تمت محاكمة العديد من المتهمين بعد أن وُجّهت لهم تهم متعلقة باستهلاك ومسك وترويج مادة مخدّرة مدرجة بالجدول «أ» وتتراوح الأحكام بين العام والسجن لفترات كبيرة حسب نوعية التهم الموجهة.
أمّا المندمجون في جرائم استهلاك «الزطلة» وغيرها من المواد المخدرة من غير الحبوب، فتوجه لهم تهم متعلقة بما يعرف بالجدول «ب» وهي جداول وضع المشرّع وحدّد فيها حصريا المواد الممنوعة والتي يعدّ استهلاكها أو ترويجها جريمة يعاقب عليها القانون، وصدر ذلك في قانون ماي 1992 المتعلق بالمخدرات.
جرائم السوق والتحيّل
ويلاحظ أيضا داخل أروقة المحاكم سواء الابتدائية أو الناحية قضايا يمكن تسميتها بالرمضانية مثل الانتصاب بالطريق العام دون رخصة أو ما يعرف بالانتصاب الفوضوي وهي مخالفة ناحية منصوص عليها بالفصل 321 من المجلة الجزائية والواردة في باب المخالفات المتعلقة بالطريق العام.
ويتم إحالة بعض الأشخاص في جنح من أجل استجلاب الحرفاء تحيّلا لفائدة متعاطين لصناعة حرّة أو ما يعرف بالسمسرة والمنصوص عليها بالفصلين 1 و3 من أمر 12 مارس 1942، وهي جنحة ناحية.
ويحال أيضا الممتنعون عن البيع ويكثر عددهم خلال شهر رمضان بسبب حالات الانفعال أو عمليات الاحتكار أو سببت البيع المشروط، والامتناع عن البيع منصوص عليه بالفصلين 28 و38 من قانون 23 جويلية 1991. ونجد أيضا المتورطين في قضايا متعلقة بالبيع بأسعار غير قانونية، إذ يكثر خلال شهر رمضان العديد من التجار الذين يتعمّدون الترفيع في أسعار العديد من البضائع وتجاوز السقف القانوني المحدّد أو الانخفاض دونه وجريمة الترفيع في الأسعار منصوص عليها بالفصل23 من القانون عدد 26 المؤرخ في 19 ماي 1970 إضافة إلى جرائم متعلقة بالتداخل في المسالك العادية للتوزيع والمنصوص عليها بنفس الفصل والقانون السابق، كما يحال عدد من التجار في خلال شهر رمضان من أجل التفريط في مكاسب قصد التهرّب من خلاص دين وذلك حسب مقتضيات الفصل 288 من المجلة الجزائية والذي ينصّ على أنه «يعاقب بالسجن مدة خمسة أعوام كل تاجر صار عاجزا عن الدفع أو حكم عليه بخلاص دين وارتكب بعد حلول ذلك الدين:
ـ أولا: اخفاء أو اختلاس أو بيع بأقل من القيمة أو إعطاء أشياء من مكاسبه أو أسقط دينا له أو خلص دينا صوريا.
ـ ثانيا: اعترف بديون أو التزامات كأنها حقيقية وكانت كلها أو بعضها صورية.
ـ ثالثا: ميّز أحد غرمائه بفائدة على الباقين والمحاولة توجب العقاب».
وتكثر أيضا في تونس خلال شهر رمضان ظاهرة التسوّل، إذ يستغل العديد من المتسولين قوّة الشعور الديني لدى الناس لاستعطافهم وهناك من ينتهج سلوك التسول لتحصيل المال بأقل جهد، وهناك فعلا من هو في حاجة ماسة ومع ذلك فإن المشرّع التونسي يجرّم التسوّل وذلك حسب ما ورد بمنطوق الأمر الصادر بتاريخ 3 أفريل 1939 وهي جنحة ناحية، لما هناك من يستعمل الأطفال لاستعطاف الناس، وهي أيضا جريمة يعاقب عليها القانون.
الذبح خفية والسماسرة
ويلاحظ أيضا في تونس تعمّد العديد من القصابين الذبح بشكل عشوائي ودون مراقبة صحية وتكثر هذه الظاهرة خاصة خلال شهر رمضان حيث يرتفع الاقبال على استهلاك اللحوم ويجرّم القانون التونسي المتورطين في ذلك، وتوجه لهم تهمة الذبح خفية حسب الفصل 8 من القانون عدد 64 المؤرخ في 26 جويلية 1966 وهي جنحة، يحال بمقتضاها المتهم على المجلس الجناحي.
وتبرز أيضا خلال شهر رمضان جرائم السمسرة باستجلاب الحرفاء تحيّلا، إذ يعمد عدد من التجار إلى انتداب أشخاص يقومون باستجلاب الحرفاء وإقناعهم بالمادة التي تباع وبسعرها الذي لا يمكن منافسته ، ويقع اقناع الحرفاء بأشياء لا وجود لها في الحقيقة، وهي الجريمة المنصوص عليها بالفصلين 1 و3 من الامر المؤرخ في 12 مارس 1942 وهي جنحة يحال بمقتضاها المتهم على محكمة الناحية..
وتكثر أيضا في العديد من الأسواق والمحلات ظاهرة عدم اشهار الأسعار، وهو ما يعاقب عليه القانون تحت تهمة عدم وضع لافتات الأسعار المنصوص عليه بالفصل 37 المؤرخ في 29 جويلية 1991، إضافة الى تهم مثل عدم طبع آلة وزن وعدم توفّر الشروط القانونية لتوفير السلامة، والاتجار بالجاه او الروابط.
وجل تلك «الجرائم» او المخالفات متعلقة بما يسمى الجريمة الاقتصادية وهي الصنف الذي يشهد ارتفاعا وانخفاضا من سنة الى أخرى اذ حسب الارقام الرسمية فإن الجرائم الاقتصادية والمالية مثلت تقريبا ربع المجموع العام للجرائم بنسبة قدّرت بـ 23.7٪ وذلك حسب التوزيع النسبي للقضايا المفصولة لدى المحاكم الابتدائية ومحاكم الناحية، خلال السنة القضائية 2004ـ2005 وانخفضت النسبة الى 17.9٪ خلال السنة القضائية 2006ـ2007 لترتفع من جديد الى نسبة 23.1٪ سنة 2007ـ2008 والجرائم الاقتصادية والمالية تأتي في المرتبة الثانية بعد الجرائم المتعلقة بالطرقات حسب جدول التوزيع النسبي للقضايا الذي نشرته وزارة العدل وحقوق الانسان.
بين الصيام والقمار
كما تجد الجرائم المتعلقة بالاعتداءات والقمار «رواجا» خلال شهر رمضان وخاصة جرائم الاعتداء بالعنف والثلب والسب والقذف وتصل جرائم الاعتداء بالعنف الى عقوبات مشددة خاصة اذا كانت الاضرار كبيرة ونسبها مرتفعة.
وتبرز ايضا خلال شهر رمضان جريمة التحيل وخاصة اثناء عمليات البيع والشراء وهي جريمة يصل العقاب فيها الى السجن لمدة خمسة أعوام.
ومن بين السلوكيات المثيرة للانتباه خلال شهر رمضان هو القمار، اذ هناك من يؤدي فريضة الصيام، ثم بعد الافطار يتوجه الى المقهى، حيث يشارك في لعب القمار ويعود الى ساعة متأخرة من الليل «ويتحسّر» في وقت الامساك ليعود الى الصيام من جديد وهكذا.
ومن الغريب ان هذا السلوك تحوّل الى ظاهرة تنتشر بشكل ملفت في العديد من المقاهي، وهي جريمة عنوانها تعاطي لعب القمار غير المرخص فيه المنصوص عليها بالفصلين 1 و2 من القانون المؤرخ في 24 أكتوبر 1974 وهي جنحة ناحية.
وعموما، فإن تغيّر السلوك لدى الفرد مرتبط في جزء هام منه بالظروف الموضوعية والمحيط الذي عاش فيه وبالتالي فإن الصيام يؤدي الى سقوط نسبة السكر في الجسم مما يخلق في بعض الاحيان حالة من العنف، هذا بالاضافة الى الحركية الاقتصادية التي يعرفها شهر رمضان وما يتبعها من سلوكيات وممارسات يخلّ جزء منها بالقوانين.
* منجي الخضراوي