جرائم الشيك بلا رصيد تنخر المجتمع وتشرّد عائلات

Al Chourouk - 2009-08-27
Lu 2976 fois

* تونس ـ «الشروق»
مازالت العديد من المحاكم التونسية تفصل في عدد كبير من قضايا الشيك دون رصيد مما يعني أن مثل هذا الصنف من الجرائم ما زال ينخر المجتمع التونسي، رغم الاجراءات والحوافز اضافة إلى الأساليب الرادعة وقد مثل القانون الصادر سنة 2007 منعرجا في تقييم مدى نجاعة تلك الاجراءات، فهل ساهمت في التخفيض في جرائم الشيك دون رصيد؟ أم أن الأمر عكس ذلك؟
تفيد المعطيات الرسمية أن قضايا الشيك دون رصيد المفصولة بالمحاكم سجلت تراجعا ملحوظا منذ دخول القانون عدد 37 لسنة 2007 المؤرخ في 4 جوان 2007 المتعلق بتنقيح واتمام المجلة التجارية اذ بلغ حجم التراجع خلال السنة القضائية 2007 / 2008 ما يقدر بـ14 ألف قضية، وهو ما يمثل نسبة تطور سلبية أي نسبة تراجع قدرت بـ12.47 بالمائة وهو ما يعي بأن عدد القضايا المسجلة لدى القضاء خلال نفس السنة القضائية تقارب 112 ألف و269 قضية.
نسبة قضايا الشيك دون رصيد
وحسب الاحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة العدل وحقوق الإنسان لسنة 2008 وفي جدول توزيع القضايا الواردة حسب المادة خلال السنة القضائية 2007 ـ 2008 فإن المجموع العام لتلك القضايا بجميع مراحلها من النيابة الى الجناحي والمدني والمخالفات والمنشورة لدى التحقيق والجنائي والاتهام، يساوي 2 ملايين و624 ألفا و346 قضية مما يعني أن قضايا الشيك دون رصيد تمثل نسبة 4.27 بالمائة من مجموع القضايا في البلاد التونسية وهي نسبة تعتبر مرتفعة وهو ما يمكننا من القول بأن العدد ما زال مرتفعا جدا رغم نسبة الانخفاض بأكثر من العشر... وبالتالي يمكننا أن نتحدث عن ظاهرة الشيك دون رصيد، الأمر الذي دفع بالمشرع الى اتخاذ جملة من التدابير الوقائية لمكافحة هذه الظاهرة.
تدابير وقائية
ويرى السيد امحمّد بن ساسي وهو مدير مركزي بأحد البنوك التونسية بأن المشرع التونسي أدرك أهمية التدابير الوقائية في اطار ظاهرة الشيك دون رصيد وذلك في محاضرة نشرت خلال ملتقى وطني نظمته محكمة الاستئناف بتونس والمعهد الأعلى للقضاء في جوان 2007 ورأى بأن تلك الاجراءات بدأت منذ التنقيح المجرى بموجب القانون عدد 46 لسنة 1977 المؤرخ في 2 جويلية 1977 إذ أقر امكانية تجريد الأشخاص المحكوم عليهم في قضايا الشيك دون رصيد من حق مسك واستعمال صيغ الشيكات لفترة سنة والتي أصبحت فيما بعد اجراء آليا لفترة أطول وبموجب قانون صدر في أوت من سنة 1985 أوجب المشرع مسك دفتر خاص من قبل البنك المركزي التونسي تجمع فيه المعلومات المتعلقة بعوارض الدفع والتحجيرات والأحكام الصادرة في القضايا المتعلقة بها لتوضع على ذمة البنوك كي يتسنى لها التحقق في وضعية الحريف قبل تسليمه صيغ الشيكات وفي سنة 1996 وبموجب الفصل 410 جديد من المجلة التجارية أصبحت المؤسسة البنكية غير ملزمة بتسليم دفاتر الشيكات للحريف مثلما كان الشأن سابقا وذلك لتمكينه من التحري في طلب الحرف والتأكد من انسجامه مع طبيعة ومتطلبات نشاطه.
وبالنسبة للسيد امحمد بن ساسي، فلقد تأكد هذا التوجه الذي يعتمد الوقاية في اطار التنقيح الأخير من خلال دعم التدابير الوقائية ووضع آليات الاسترشاد وتفعيل دور البنوك مقابل تيسير اجراءات التسوية والتخفيف من العقوبات وفتح مجال تطبيق ظروف التخفيف بالنسبة إلى جريمة تدليس الشيكات.
وبخصوص التنقيح المجرى سنة 2007 فلقد تم دعم التدابير الوقائية مع التراجع في مستوى الاجراءات الزجرية وهذا ما يؤكد نية المشرع في معالجة المعضلة عن طريق الوقاية كأفضل حل لمكافحة ظاهرة الشيك دون رصيد مع الابقاء على المسؤولية الجزائية باعتبار أن اصدار الشيك دون رصيد يعد من قبيل أعمال التحيل الموجبة للعقوبة والردع وبالنظر الى المضاعفات الاقتصادية والمالية التي يمكن أن تنتج عنها.
ويرى أيضا بأن تلك التدابير الوقائية تمثل أحد الركائز الأساسية لتطويق الظاهرة وحماية النظام العام الاقتصادي كما أن دعمها على نحو ما جاء بالتنقيح الأخير من شأنه أن يساعد على تحقيق أكثر فأكثر الأهداف المرتقبة اذ تم اقرار اجراءات دعم تدابير عدم استعمال صيغ الشيكات ووضع آليات استرشاد لدى البنك المركزي والمصرف المسحوب عليه.
اشكاليات من الواقع
من جهة ثانية أثارت الاشكاليات الواقعية الراهنة اشكاليات أخرى أمام ا لقانون المتعلق بجريمة الشيك بدون رصيد اذ ما زالت النسبة مرتفعة وما زال عدد القضايا كبيرا ويمكن أن يمثل خطرا على المجتمع التونسي خاصة أمام تورط عدد هام من المواطنين في قضايا الشيك دون رصيد ويستتبع ذلك من مآس ومشاكل عائلية واجتماعية، فضلا عن تهديد النظام العام الاقتصادي. ولكن هناك سؤال يظل مطروحا، لماذا يلجأ التونسي إلى إصدار شيك دون رصيد رغم علمه بعقوبة السجن المترتبة عن ذكل؟
السجن هو السبب
الأستاذ منير بن صالحة، وهو محام، قال جوابا على سؤالنا، إن ما يدفع التونسي للإلتجاء إلى الشيك دون خلاص هو الجانب الجزائي، لأن عقوبة السجن تجعل المستفيدين من الشيك مطمئنين نفسانيا، وتصبح لهم ثقة في الشيك كوسيلة خلاص بمعنى أن الضمانة الجزائية المحيطة بالشيك تسهل قبول الشيك كوسيلة خلاص من قبل المستفيدين والتجار، وهذا الأمر يدفع العديدين لاستعماله كوسيلة خلاص لطمأنة المستفيدين.
وتحول الشيك من وسيلة خلاص الى وسيلة تحيل بطريقة الشيك غير المؤرخ، ثم تحول إلى وسيلة ضمان، ثم وسيلة قرض، وهذا التحول في طبيعته المالية والقانونية هو الذي أدى الى بروز العديد من المشاكل، وقال محدثنا، انه من خلال معاينتي لعدد من القضايا تبين لي أن عديد الناس يعتمدون منطق الحساب، ويرى أحيانا بأن السجن مقابل مبلغ مالي هام قد يكون فرصة للثراء.
وقال إن العديد من الناس يستعملون الشيك كوسيلة للاستثراء وذلك لأسباب مادية واجتماعية وحتى بنكية، فغلاء المعيشة وصعوبة الحياة والرغبة في الثراء مع ما تعتمده بعض البنوك بمد اشخاص بدفاتر شيكات رغم عدم قدرتهم على تحمل مسؤولية الشيك.
ومن الأكيد بأن هذا الصنف من الجرائم خلق العديد من المشاكل الاجتماعية وشرد العديد من العائلات، فالتعامل بالشيك يفترض النظام والانضباط في المعاملات، ومن يكون خلاف ذلك فإنه سيجد نفسه في السجن.
مقترحات حلول
وحسب الاستاذ منير بن صالحة، فإن الحل لتجاوز مشاكل جرائم الشيك دون رصيد هو نزع الجانب الجزائي على الشيك حتى يفقد قيمته كضمان ويعود الى طبيعته كوسيلة خلاص شأنه شأن الكمبيالة، لأنه طالما أن المشرّع مازال يرتب على اصدار الشيك دون رصيد عقوبة جزائية بالسجن، فإنه سوف يبقى دائما لدى الناس شعورا بأن الشيك محاط بهالة من الثقة و«التقديس».
وبخصوص ما أقره المشرع فيما يتعلق بنظام قاعدة البيانات: قال محدّثنا إن ذلك يمثل ضربة كبيرة للمعاملات المالية في تونس، لأن الشخص الذي يتم تسجيل إسمه في قاعدة البيانات لدى البنك المركزي سوف يعاقب بإقصائه من المعاملات مع المصارف والمؤسسات المالية وسوف يعزل. وهو شكل من الاعدام المدني، إذ لا يجب حسب رأيه أن تكون جريمة الشيك دون رصيد جريمة تستحق أي شكل من الاعدام، وقال ان القانون الحالي يمسّ من الحق في ضمان المعطيات الشخصية، وقال ان الحرص على ضمان حقوق البنوك لا يجب أن يتحول الىالتشهير والمس من سمعة المواطن.
الاقتصادي والاجتماعي
وعموما، فإنه يمكننا القول إن النظام الاقتصادي يخلق ممارسات وسلوكات اجتماعية تعود بدورها للتأثير في الدورة الاقتصادية، فتخلق تعقيدات.
لقد ساهم بروز سلوك الرغبة في تحقيق الربح والثراء بأسرع ما يمكن، حتى وإن كان على حساب الغير، مع نشوء قيم الذاتية والأنانية بالرغبة في الغاء الآخر.. كل ذلك أدى إلى تورّط عدد كبير من الأفراد في جرائم اصدار شيكات دون رصيد.
إن قضية البنك دون رصيد ليست فقط قضية قانونية وليست فقط قضية اقتصادية بل هي ايضا قضية اجتماعية، ومن هنا فعلى المشرع ان يراعي كل تلك العوامل لخلق حالة توازن قانوني مستندة الى واقع مالي اقتصادي واجتماعي وقيمي وحتى نفسي، فالطابع الزجري، وعلى أهميته، بمفرده لا يكفي، بل من الممكن أن يؤدي الى تعقيدات أخرى، قد تعمق الاشكال وتلج به إلى مسارات في اتجاه واحد ولا رجوع فيها وهو ما قد ينعكس، ليس فقط علىالنظام العام الاقتصادي، بل على جوانب اخرى من حياة المجتمع. * منجي الخضراوي



Aôut 2009
LMMJVSD
01 02
03 04 05 06 07 08 09
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31
<< >>