احتراق ربّ أسرة أثناء عمله بباجة: ابنان على ركبتي الأرملة، جنين فــي أحشائهــــــــا وهمـــوم في قلبهــــــــــا

Al Chourouk - 2008-05-04
Lu 551 fois

* باجة ـ «الشروق»:
طفل لم يتجاوز عامه الرابع يلهو ويجري ولا يدري بما يجري لا يعرف محمد الصادق ان والده محمد علي قد فارقه الى الأبد اثر حادث شغل احترق فيه جسده بأكمله (حروق من الدرجة الثالثة) هكذا شاهدنا محمد الصادق عندما زرنا أسرته مساء أمس الأول في منزلها الكائن بحي قصر باردو في باجة.
وجدنا أنفسنا امام منزل متواضع بأحد أنهج الحي سابق الذكر هنا تربى محمد علي (41 سنة) مع امه وشقيقاته الخمس ولما اشتدّ عوده شيّد محمد علي طابقه العلوي وسكنه هو وزوجته سارة وابنته سوار (6 سنوات) وابنه محمد الصادق .
ألم الفراق ووقع الحادثة في النفوس لم يمنعا زوجة محمد علي وأمه وشقيقاته وبعض الاجوار وبعض أصدقاء الهالك من استقبالنا.
شكري هو صديق العمر لمحمد علي ورفيق الدرب في العمل ولأنه كان حاضرا بمكان الحادث ساعة وقوعه لم يجد صعوبة في سرده بتفاصيله على الوجه الأمثل فمحمد علي وصديقه شكري قد اجتمعا يوم الواقعة بمعمل «الخميرة» بباجة مقر عملهما لإصلاح خزّان يبلغ قطره متران وبعض الصنتيمترات وعمقه حوالي 3 أمتار ونصف المتر.
مهمة محمد علي كانت النزول الى قاع الصهريج لمعالجة بعض اجزائه بآلة قصّ «Meule à disque» وحال تشغيلها صاح وهو يطلب النجدة... وماهي الا لحظات حتى ظهر محمد علي في مدخل الصهريج وقد غطى السواد ثيابه وكل جزء ظاهر في جسده... كان لايزال يقوى على الحديث فطلب من زملائه النجدة فتمت مهاتفة أعوان الحماية المدنية الذين حضروا على عين المكان ونقلوا المصاب الى المستشفى الجهوي بباجة لينتهي بذلك مشوار محمد علي مع العمل. * آخر مكالمة
حدثتنا شقيقة الهالك الصغرى عن آخر مكالمة تلقتها من شقيقها الوحيد وهو في طريقه الى أحد مستشفيات العاصمة على متن سيارة الأسعاف «أختاه لقد احترقت بأكملي.. أوصيك خيرا بأمي وزوجتي وأبنيّ...» بعدها لا احد تحدث الى محمد علي ولا هو تحدث الى أحد... وهنا تنهّد الجميع بعد ان اطلقت أم محمد علي صرخة ترحّم على ابنها مؤكدة رضاها التام عنه وهو في مثواه الأخير... ومسحت زوجته دمعها المتواصل منذ يوم الحادثة وخيّم الصمت ثم استأنفت الشقيقة الصغرى حديثها عن «كذبة» دامت 4 أيام.
كانت الوحيدة القادرة على دخول الغرفة التي يقيم فيها شقيقها بالمستشفى قبل التدخل الجراحي وبعده وكان البقية يكتفون بالتجمع امام المستشفى والاستماع الى ما ترويه لهم من «أكاذيب» افتعلتها عمدا لتوهمهم بأن حال شقيقها يسير نحو الافضل حتى يقتنعوا بضرورة العودة الى باجة في انتظار يوم جديد تتجدد فيه «اللعبة».
اربعة ايام بلياليها قضاها محمد علي طريح الفراش يصارع موتا لامفرّ منه فالاطباء اجمعوا على ان حروقه من الدرجة الثالثة... وفعلا يوما واحدا قبل ان يتمتع بعطلة عيد الشغل غادر محمد علي الحياة بشغلها ومشاغلها ومتاعبها تاركا في الطابق الارضي لمنزله أمّا وشقيقتين وفي الطابق العلوي طفلته سوار وابنه محمد الصادق وزوجته سارة التي تحمل في بطنها جنينا لا تعرف ولا زوجها الهالك ان كان ذكرا أم أنثى. * انقطعت القبل
كانت الأم فاطمة لا تنقطع عن تصفّح الوجوه علّها تدرك من بينها وجه ابنها الوحيد وحين تتأكد ان ابنها لن يعود تمطره بوابل من عبارات الترحم الممزوجة بدموع أمّ قد تمحي صورة محمد علي من كل الأذهان إلا من ذهنها هي وبين عبارة الترحم والأخرى كانت تذكّرنا بالقبل التي كان يطبعها على جبينها كل صباح وكل مساء قبل الذهاب الى العمل وعند العودة منه وقبل الخلود الى النوم ولحظة الاستيقاظ منه..
وليس بالبعيد عنها تجلس سارّة على كرسي وهي تحمل ابنها محمد الصادق على ركبتيها وشقيقه او شقيقته في بطنها.. وحزنا في قلبها. فالسند الوحيد هلك لأن محمد علي لم يترك لها سوى المنزل وهي التي لا شغل لها سوى شؤون هذا المنزل .
التحقت سوار (6 سنوات) بأمها لتزاحم شقيقها على ركبتي امها بكت سوار ولم تفهم لأي سبب كان بكاؤها فقط بكت لأنها رأت الجميع يبكون وهم يودّعون جثمان ابيها الى الأبد سوار كانت تحدّثنا عن سيارة ابيها وعمله القار وما ينتظرها من رفاه وبما اننا لم نفقه شيئا مما قالت فقد قاطعتها والدتها سارة لتحدثنا عما روته لابنتها لما سألتها عن أبيها وتأخر موعد عودته فذكرت لها ان محمد علي في الجنّة ينعم بعمل قار وسيارة وجراية محترمة هكذا كانت أحلام العائلة قبل فقدان من كان يسعى لتحقيقها.
انشغلت الأم عن ابنيها المتزاحمين على ركبتيها لم تتفطن الى تدافعهما وتشاجرهما ولا ندري ان كانت تفكر في ماضيها السعيد او حاضرها المحزن او مستقبل أسرتها الغامض في غياب عائلها الوحيد.
لم تتفطّن الى استئذاننا في الانصراف لأنها ظلت منشغلة بهمومها عن كل ما يدور حولها. * إيهاب النفزي



Mai 2008
LMMJVSD
01 02 03 04
05 06 07 08 09 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31
<< >>