في العلا: طفل يغرق في ماجل البيت

Al Chourouk - 2008-05-19
Lu 601 fois

... من أبشع صور الموت ان تسمع ذات مساء عواء الذئاب وصراخ الانسان في نفس المكان والزمان يمكن ان يكون الاول هائما خاوي البطن وجائعا بينما الثاني أصابته مصيبة تهزّ أركان الكيان وتذوّق فاجعة الموت بعد ان فقد فلذة من فلذات أكباده فأحسّ بسعير النار تنهش أوصاله وتحرق أحشاءه تجعله في لحظات... بل في ساعات يكره فيها الماء والغذاء وكل الأشياء.
كان الجو مشحونا بالبؤس والألم حين أدركنا رجالا قد خرجوا بجثمان طفل صغير على أعناقهم الى مثواه الاخير وبقيت النسوة تتدافعن وكأنهن يردن خطف اللفافة البيضاء من فوق الاكتاف ليبقينها عندهُنّ ردهة زمنية أخرى من عمر الفراق.
... انفطرت قلوبنا حُزنا وألما حين اقتربنا أكثر من صورة المأساة فرأينا أمّّا تلطم وجهها وتغرس أضافرها في رقبتها وصدرها لترسم خطوطا حمراء بلون الدماء وقد بحّّ صوتها من كثرة الصّياح والبكاء في حين ضاعت الكلمات التي كانت ترددها في وداع وعزاء ابنها بين عويل النساء اللواتي من حولها وعُواء الذّئاب في محاجرها.
.. هذا هو الفصل الاخير من حادثة جدّت وقائعها يوم الجمعة الفارط في منطقة الغرابة بالمرتفعات الجبلية من عمادة صيادة الشمالية التابعة لمعتمدية العلا من ولاية القيروان والتي تلامس الخط الحدودي مع أولاد عيّار... وقد ذهب ضحيتها الطفل «وائل» الذي أنهى في الاسبوع الماضي عامه الاول على اثر سقوطه في الماجل المعد لحصر وجمع مياه الأمطار وقد لفظ الصغير أنفاسه غرقا في غفلة من عمته التي كانت منشغلة بشؤون المنزل وأخيه ريّان الذي يكبره بعامين ولا يدرك بعد معنى الموت وفي غياب أفراد الأسرة الذين نزلوا للحصاد. * تفاصيل الحادثة
.. بعد الانتهاء من مراسم الدفن استفدنا من أقارب الضحية بأن أفراد الأسرة قد خرجوا في الصباح الباكر ليخصصوا يومهم للحصاد وتركوا الولدان ريّّان ووائل في المنزل تحت رعاية عمتهما «جمعية» لتقوم بشؤون البيت وتعدّّ الطعام للجميع... وحتى لا يخرج الطفلان ويتعرضا الى أشعة الشمس فقد عمدت أمهما الى ربط الصغير عند ساق الفراش حتى يتحرك في دائرة محدودة وأجلست بجواره أخيه ليؤنسه ويلعب معه... وفي غفلة من العمّة توصّل ريّان الى فكّّ رباط أخيه ليتحرر اكثر من مكانه ومن سوء الحظ حبا الطفل على يديه وركبتيه دون ان يتبعه شقيقه وكأنه يبحث عن مساحة أوسع من نُور النهار واخترق الباب واتجه مباشرة الى سطح الماجل الذي كا ن في متناوله... وبرغم ان أصحاب البيت قد أحكموا  غلقه بأغطية اسمنتية وتركوا في ناحية من سقفه القريب من سطح الارض فتحة دائرية الشكل تتسع لقُطر الدلو او السطل. * اكتشاف الجثة
.. أول من اكتشف جثة وائل هي عمته التي بقيت في البيت لترعى  شؤونه وكانت في كل مرة تتفقد الطفلين داخل الغرفة.. فتفطنت فجأة الى غياب الصغير ولم تجد الاضاجابة الشافية والمريحة عند شقيقه.. فبحثت عنه في بقية الغرف وكل النواحي المحيطة بالمنزل فتحولت حيرتها الى جزع وانقباض فدفعها حدسها وهواجسها الى الاتجاه نحو الماجل ونظرت في البداية من فتحته الدائرية فلم تر شيئا... ولم تشعر بنفسها وهي تستجمع كل قواها لتُزيح أحد الأغطية الاسمنتية السميكة والثقيلة من مكانها وهالها المنظر المريع لجثة الطفل وهي تطفو على سطح الماء... جنّّ جنونها ثم ألقت بنفسها من أعلى على أمل ان تدركه وتنقذه.. ولما انتشلته بسرعة ولهفة وجدته جثة هامدة وقد فارق الحياة غرقا.. صرخت بأعلى صوتها حتى رددت الجدران وفجوات الجبال المحيطة بالمكان صدى استغاثتها فسمعها كل الذين يحصدون زرعهم بأرضهم تحت لفيح الشمس الحارة فهبوا مهرولين الى مصدر الصياح المتتالي فوجدوا العمّة تحضن مخلوقا عزيزا على قلبها وتسلّم جثته الى أهلها. * الأم: ماء للحياة وآخر للموت والفناء
.. بوجه شاحب ذابل ظهرت عليه ملامح وعلامات المصيبة التي حلّت بها، همست لنا الام هدى والدة الفقيد بصوت خافت بما يلي: ..»لقد حصدنا الارض في الصباح وزرعنا جثمان ابني بتربتها في المساء... أبكرنا وأصبحنا على ضوء الشفق الاحمر فبتنا والعبرات الساخنة تسيل على خدودنا... ما اعرف عن الماء انه مصدر لحياة الشجر والبشر عندما يكون متحركا ويخرّ بين السواقي... ولكن ركوده في بركة الحوض داخل الماجل ترصد ابني وخطفه منّي وأذاقه طعم الموت... الحمد لله على ما أخذه وأعطى وهو القادر على منحنا نعمة الصبر. * العمّة: تمنيت لو مُتّّ بدل الصغير
بنبرات حزينة وكئيبة وملامح وجه عبثت فيه الأضافر كما شاءت أفادتنا العمة «جمعية» قائلة: .. إني عشت أقسى وأصعب فترة في حياتي.. لقد مات ابن   أخي في غفلة مني ورغم ايماننا جميعا بإرادة الله وقضاءه وقدره الا انه ظل يراودني احساس بالذنب يكمن في وجداني وبأنني مذنبة لأن الفقيد كان أمانة بين يديّّ  وفي عُنقي ويعلم الله بأن معزتي للطفلين لا حدود لها واني أحبهما اكثر مما تتصورون تمنيت لو متّ أنا بدل الصغير لأفديه بروحي.. وإن منّ الخالق على والديه بالصبر فأنا لا ولن وأنسى ملاكي الصغير في كل جزئيات حياته وحتى في لحظات مماته. * عزاء وشكر
قبل ان نبارح المكان جددنا تعازينا الى أسرة الضحية على ان يتغمده برحمته الواسعة... وهي مناسبة لنتقدم بالشكر الى عُمدة صيادة الشمالية الذي سخّر لنا وسيلة نقل وتحوّل معنا في طريق شاقة ووعرة بين منعرجات المرتفعات على طول مسافة عشرة أميال بين منطقتي الذهيبات والغرابة وقد سهّل لنا مهمة القيام بواجبنا وانجاز عملنا. * عبد الحميد السالمي



Mai 2008
LMMJVSD
01 02 03 04
05 06 07 08 09 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31
<< >>